علي أنوزلا يكتب: لماذا يكره القصر الإسلاميين؟

أبانت الأزمة السياسية الصامتة التي يعيشها المغرب منذ ظهور نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 7 أكتوبر، بجلاء عن توتر العلاقة بين القصر والإسلاميين.

فرغم مرور أكثر من شهر على الانتخابات التي تصدّر الإسلاميون بقيادة "العدالة والتنمية" نتائجها، وتكليف الملك رئيس الحزب المتصدر للانتخابات بتشكيل الحكومة المقبلة، إلا أن هذه الحكومة ما زالت لم تر النور، وفي ظل تعثر مشاورات تشكيلها فإن المغرب مرشح ليعيش أسابيع أخرى إن لم تكن شهورا بدون حكومة في انتظار تجاوز المشاكل التي تواجه تشكيلها.

"يشعر القصر بأن الإسلاميين ينافسونه في مرجعيته الدينية التي يبني عليها شرعيته"
by علي أنوزلا

وربما هذه هي أول مرة يعيش فيها المغرب مثل هذا الحالة التي تعكس وجود أزمة سياسية عميقة صامتة قد تتحول مستقبلا إلى أزمة دستورية في حالة عجز رئيس الحكومة الإسلامي المعيّن عن تشكيل حكومته. فالدستور المغربي الذي اعتُمد في عام 2011، يصمت عن الحالة التي يفشل فيها رئيس الحكومة المعيّن في تشكيل حكومته، ويترك الباب مفتوحا أمام كل الاحتمالات التي يمكن للملك أن يٌقدم عليها، من قبيل تعيين شخص ثان من نفس الحزب المتصدر للانتخابات لإعادة الكرّة، أو تعيين زعيم الحزب الذي حل ثانيا لتجريب حظه في تشكيل الحكومة، أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة.

لكن مثل هذا النقاش الدستوري، وإن كان مهما، يخفي ما هو أهم، أي الأزمة السياسية التي أدخلت البلاد في نفق مسدود. فالمعروف في المغرب أن الملك، في نهاية المطاف، هو من يعيّن الحكومة، وهذا ما ينص عليه الدستور الحالي بما أن دور رئيس الحكومة المعيّن يُختصر في اقتراح أعضاء حكومته على الملك، وعلى هذا الأخير قبول أو رفض تعيين الأشخاص المقترحين.

وفي المرتين السابقتين، منذ أن دخل دستور 2011 حيّز التطبيق، لعب القصر دورا كبيرا في دفع أحزاب موالية له إلى الدخول في تحالف حكومي قاده الإسلاميون خلال السنوات الخمس الماضية. حصل ذلك في سياق "الربيع العربي" الذي وصلت رياحه إلى المغرب وفرضت على القصر قبول تسليم مقاليد الحكومة للإسلاميين لتهدئة الشارع الذي كان يغلي آنذاك. لكن ومنذ انتكاس ثورات الربيع العربي في أكثر من دولة عرفت ثورات شعبية، ومع العودة القوية للثورات المضادة التي خرجت من الدول العميقة في بلاد الربيع، لم يعد القصر في حاجة إلى "خدمة" إسلامييه.

وخلال السنوات الأخيرة الماضية عاش المغرب حالة من الصراع الخفي بين الإسلاميين الذين يقودون الحكومة والقصر، تخوضه بالنيابة عن القصر بعض أجهزة الدولة ووسائل إعلام مقربة من السلطة وأحزاب موالية بما فيها أحزاب كانت تشارك في التحالف الحكومي بقيادة الإسلاميين. فقد شهدنا السلطة تمنع لقاءات جماهيرية لرئيس الحكومة وبعض وزراء حزبه، بل وشُهِّر أخلاقيا بنواب برلمانيين إسلاميين، وحُقق مع عمداء مدن وبلديات ينتمون إلى نفس الحزب. لكن المواجهة الكبيرة كانت في المحطتين الانتخابيتين اللتين عرفهما المغرب في عام 2015 بمناسبة الانتخابات المحلية، وفي عام 2016 بمناسبة الانتخابات التشريعية، وفي كلا المحطتين دعمت السلطة بقوة الحزب الموالي للقصر الذي أسسه المستشار الملكي النافذ فؤاد عالي الهمة. وبالرغم من أن حزب الإسلاميين تصدر انتخابات 2015 إلا أن حزب مستشار الملك ترأس خمس جهات كبرى في المغرب من بين 12 جهة يتكون منها التقسيم الجهوي في المملكة.

وما حدث بعد الانتخابات التشريعية في عام 2016، سيكشف إلى أي حد يسعى القصر من خلال توظيف بعض الأحزاب التي يتحكم فيها إلى عرقلة قيادة الحزب الإسلامي لولاية ثانية. ولا غرابة أن يكون الحزب الذي يسعي اليوم إلى فرض شروطه على رئيس الحكومة المعيّن هو حزب يقوده شخص صديق ومقرب من الملك يدعمه حزبان من صنع الإدارة، بلا هوية سياسية وبلا قرار مستقل.

والهدف من هذه العرقلة التي تحول اليوم دون تشكيل الحكومة، وقد تٌدخل البلاد إلى أزمة سياسية ودستورية بلا قرار، واضح ولا يحتاج إلى كثير من التحليل، وهو عدم رغبة القصر في تولي الإسلاميين، حتى لو كانوا ملكيين أكثر من الملك مثل حزب "العدالة والتنمية"، قيادة الحكومة في المغرب لولاية ثانية.  

وأسباب هذا "العداء" ما بين القصر والإسلاميين، قديمة وتكاد تكون تاريخية، كما أنها ذات طبيعة موضوعية، فالقصر في المغرب لا يحبذ وجود منافسين له في الشعبية وبالأحرى أن تكون لشعبية منافسه مرجعية ديمقراطية. كما أن للقصر في المغرب حساسية مفرطة من كل الكيانات المستقلة كيفما كانت طبيعتها ومهما علا أو صغر شأنها. يضاف إلى ذلك أن القصر يشعر بأن الإسلاميين ينافسونه في مرجعيته الدينية التي يبني عليها شرعيته.

كل هذه الأسباب جعلت الثقة تكاد تنعدم بين الطرفين، وهو ما يعيشه المغرب حاليا، فرغم حالة الجمود التي تعرفها مشاورات تشكيل الحكومة، انقطعت الاتصالات بين القصر ورئيس الحكومة المعيّن مما زاد من ثقل الأزمة السياسية المرشحة للامتداد مع كل ما لذلك من انعكاسات سلبية على البلاد والعباد.

وإذا كان لهذه الأزمة الحالية التي يعيشها المغرب من دروس وعبر، فهي قد كشفت أن القرار السياسي في المغرب لا تصنعه إرادة الناخبين وإنما تتحكم فيه الجهات التي تدير اللعبة السياسية، كما أبانت عن غياب إرادة سياسية حقيقية لدمقرطة المغرب عند من يغذي اليوم هذه الأزمة السياسية ويعمل على إطالة أمدها حتى يستفيد من نتائجها.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".