منذر مصري يكتب: هناك يعوون.. وهنا يعضّون!

منذ البداية، أعتذر عن أيّ انطباع سلبي، قد يثيره العنوان، فمن المعروف أنه لا يعوي ولا يعضّ، سوى نوع أو نوعين من الحيوانات، التي من غير اللائق تشبيه الناس بها.. وإن طلبت الآن من القراء، لا على التعيين، فهمه بحسن نيّة، أو تقبّله بحيادية، فلا أظن أنه سوف يستجيب لي سوى القلة القليلة التي لا تزال محافظة على هدوئها وتروّيها، أو قل، المحافِظة على عقلها، والحالة كما هي عليه اليوم من تجييش واستنفار ومواجهات، وكأن الجميع ينتظر الجميع على هنّة! ولذلك أنسحب من تبنّيه أولاً بأول، وأعترف بأنه ليس من "عندياتي"، ولكني أنقله عن صديق قاله لي عرضاً، محاولاً أن يبرر لي آلية تفكيره في معالجة الشؤون العامة التي نتناولها، خلال عمل فني مشترك نقوم به سوياً. ومن وقتها، يحدث وأن أقوله أمام أصدقاء متنوعين، ولو بقصد التندّر، فأفاجأ بأن الجميع يوافقون عليه، وإن بتعقيبات أو ملاحظات، يتبين منها أنهم يوافقون على جزء ما، ويتحفّظون على آخر.

هناك يعوون

رغم أن فعل العواء أقل قسوة من فعل العضّ، إلا أنه بالنسبة لي ولأمثالي، ولا داعي لتكرار ما كانت عليه مواقفنا المعلنة، قبل عام 2011 بعشر سنوات وبعدها بخمس، ليس أقل أذيّة منه، وربما يعرف هذا من يمارسونه ويستمتعون به، لذا ينتظرون من أحدنا هفوة ما أو هنّة ما، ويبدؤون بمهاجمته وتشويه سمعته، دون أي حساب لماضيه أو مكانته، لا بل على العكس، قد تكون مكانة الشخص جاذباً أكبر للنيل منه والإساءة إليه. وأُعني هؤلاء الذين أعلنوا تملّكهم للثورة، وتمثيلهم للشعب السوري، ونصّبوا أنفسهم حكّاماً على الناس، يعطونهم شهادات الثورية والوطنية والأخلاقية، لا أدري بأي حق ولا بأي شرعية.

"من الطبيعي أن يعلم المرء جيداً أين يحيا، وما هي شروط البقاء والاستمرار في المحيط الذي يحيا فيه، ومن الطبيعي والواجب أن يأخذ ويعمل بها، متجنّباً ما أمكنه من عواقب، خاصة إن كان بينه وبين هذا المحيط أية فوارق واختلافات."
by منذر مصري

حدث مرة أن نشرت قصائد بمناسبة صدور مجموعة شعرية جديدة لي، في صحيفة الأخبار اللبنانية المعروفة بموقفها المؤيد للنظام السوري، ولن أشرح ظروف هذا النشر، إلاّ أنه سرعان ما تناولتني العديد من الصفحات التي تدعي المعارضة والثورية، موجهة لي أسوأ التُهمات، أنا والشاعرة رشا عمران وآخرين من الكتاب السوريين، كما وصلتني عشرات الرسائل التي تنبّهني لسوء فعلتي وخيانتي.. كيف لا واسمي، حسب رأيهم، مُغمس بالدم السوري على صفحات (الأخبار)؟! وإحدى تلك الرسائل كانت من صديق: "احذر يا منذر.. إنهم يهاجمونك"، فسألته: "ولماذا لا تدافع عني؟!" لأني أعلم أن بعض من يعنيهم أصدقاء مشتركون لنا، فأجابني صادقاً: "لا أستطيع.. موقفك ضعيف!" كل هذا لأن قصائدي، ولا هي مقالات سياسية ولا هو إعداد ملف، نُشرت في الملحق الأدبي لصحيفة غير سورية. دون أي حساب إلى أني ولمدة عشر سنوات كانت معظم كتاباتي، بتوجّهها الواضح، تنشر في (نوافذ) الملحق الثقافي لصحيفة (المستقبل)، وخلال كل هذه السنين، لم يأت أحد من جهة السلطة، أو من الموالين لها وسألني لماذا تكتب في صحيفة، يستطيعون الادعاء، بدورهم، أنه على صفحاتها يُراق الدم السوري!

لا للتعميم!

نعم بالتأكيد، لا يصح التعميم، ولا يُستبعد أن يكون همّ البعض من هؤلاء مندسين ومغرضين، هو الإساءة لهذه الأسماء بسبب مواقفها بالذات، ولأنه أيضاً في المقابل هناك الكثيرون ممّن يقدّرون عالياً إصرارنا على البقاء رغم الظروف القاهرة، ويحترمون ما نكتب رغم الخطوط الحمر والأسقف الواطئة للتعبير عن الرأي، ويأخذون بالاعتبار المكان والشروط التي نكتب بها.

انتبه.. هنا يعضّون!

هذا هو المكان وهذه هي الظروف التي نكتب فيها، ولا أظن أحداً ينكر قدرة هذا المكان وهذه الظروف على العضّ، ولا إمكانية حدوثه، ولا أنه يحدث. ولأنه من الطبيعي أن يعلم المرء جيداً أين يحيا، وما هي شروط البقاء والاستمرار في المحيط الذي يحيا فيه، ومن الطبيعي والواجب أن يأخذ ويعمل بها، متجنّباً ما أمكنه من عواقب، خاصة إن كان بينه وبين هذا المحيط أية فوارق واختلافات. ويوماً قلت: "أشعر، أنا الذي اخترت البقاء في بلدي ومدينتي وبين أهلي وشعبي، أني أحيا في مدينة...غريبة!"

"لا أحد يطلب منك أن تكون عنتراً" قال لي جاري، ثم أكمل: "تكتب وتنشر، وأنت تحسب ألف حساب وحساب، ثم تقلق وتخاف بعد ذلك.. يا أخي لا تكتب ونم بدون كوابيس أفضل لك ولنا". إلاّ أنني للحقيقة والواقع، خلال هذه الخمس سنوات، لم أتعرض من قبل أي جهة رسمية، لأية مساءلة. اتصلوا بي مرات وسألوني كعادتهم أسئلة عامة وخاصة، ولكن لا شيء عن مقالاتي ومواقفي، غير أن أشخاصاً لا على التعيين، يتدرجون في الأهمية والخطورة، لم يتوانوا عن تهديدي، واتهامي علانية! ولا أظن أحداً يدري ماذا ستجلب له الأيام، وقد وضع نفسه تحت رحمة هذه الظروف وهؤلاء الناس.

الخرس.. أفضل لك؟!

قلت إن "العواء" ليس بفداحة "العضّ"، إلاّ أنني أعترف أن بسببه بالذات، قرّرت، أكثر من مرة، الخرس والتوقف عن الكتابة، التي أعتبرها المعنى الحقيقي لحياتي. فلا شيء أقسى من أن يُسيء فهمك، عن قصد أو بدون قصد، أناس، تعتبر نفسك في صفّهم. وإن كان لا جدوى من مطالبة أيّ من طرفيّ المعادلة أن يتبدّى على غير ما هو عليه، فإن من واجب الطرف الآخر أن يتفهّم الشروط التي تتحكم في كتابة من يحيون في سوريا "المفيدة" أو "الضارة" بتعبير أدق، وما زالوا، رغم كل المخاطر، يكتبون، بأسمائهم الصريحة، في الشأن العام بنفس وطني هادف، ويصوّرون ما يحدث أمام عيونهم المجردة، لا بواسطة نشرات الأخبار وشاشات التلفزيون، محاولين أن يكونوا شهوداً صادقين على التغيّرات العميقة والقاسية التي ترسم مصير وطنهم.