فدوى بن عامر تكتب: ليبيا.. أزمة حجاب القاصرات

صرّح مفتي أهل تونس العام الماضي الشيخ عثمان بطيخ المتتلمذ على يد الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، بفتواه المالكية فقال "أولًا إن حجاب القاصرات هذا أمر خارج عن السياق الشرعي و هو من أفعال البشر، وهذا ما بيناه في أكثر من مناسبة و نعيده بأن الباس القاصرات الحجاب غير واجب شرعاً.

ثانيًا لا نعتبر أن طرح الموضوع فيه اثارة لسؤال الهوية التي هي أوسع من هذه الجزئية التي لا أصل لها في الدين، فالهوية تحددها الشعوب في سياقاتها التاريخية و تراكماتها الثقافية و الحياتية و انتمائها إلى الأرض واللغة والدين."

وبناء على الآراء الفقهية المتينة فإن الحجاب الشرعي كما يعلم الجميع، هو الذي لا يصف و لا يشف ولا يكون في ذاته زينة و بالتالي كان وجوبًا على المرأة ارتداء الجلباب الداكن أو الباهت اللون مع غطاء الرأس ويُفضل وضع الجلباب على الرأس منعًا لأي تحديد لمفاتن الجسد، أما غير ذلك من حجاب مبهرج يحيط بوجه ملون فيُعتبر حجاب "موضة" إن جاز التعبير، لأنه مما يثير الغرائز و يفتن النفوس كما قول جلّ علماء الدين.

وهذا ما دأب الدعاة على بثه عبر المنصات التلفزيونية والمسموعة إثر الصحوة الدينية منذ ثمانينيات القرن الماضي وإلى يومنا هذا متبعين في ذلك أساليب الترغيب و الترهيب المعروفة، فالمرأة مصدر فتنة و الرجل مفتون، أي أنه المفعول به رغم أنه الفاعل في كل شيء أخر كما تقول كتب الفقه، و لذا كان لزامًا على المرأة العمل على صد الشهوات الذكورية المتأججة، واستجابت آلاف النسوة و خاصة الشابات حينها للتحريض و عمّت العدوى.

وبالرغم من أسلوب الدعاة فإن غالبية النساء يدعين إنهن لبسن الحجاب بمحض إرادتهن حيث لم يُفرض عليهن من قبل الأهل أو المدرسة أو القانون. والأمر في حقيقته لا يخلو من مصداقية إن تجاهلنا أسلوب الدعوة، فقد تنعمن هاته النسوة بطفولة برئية نسبيًا خالية تقريبًا من ظاهرة حجاب القاصرات. اللافت أنهن ما إن أصبحن أمهات، إلا أستكثرن على بناتهن قدر الحرية الضئيل التي حظين بها. استكثرن عليهن الطفولة البرئية، و أقول طفولة برئية لأن ما يجري الأن هو خطف لبراءة بناتنا فالأسرة التي تسمح بحجاب القاصر تكون قد اعترفت ضمنيًا أنها مصدر إغواء و فتنة للرجل و هذا مما لا يقول به الدين كما وضحت فتوى الشيخ عثمان. بالإضافة فإن مما يشيع المرارة في الفؤاد ظاهرة حجاب القاصرات المنتشرة بين الليبين المقيمين في الدول الغربية و قد تكون بعلّة معلولة وهي المحافظة على الهوية، الشيء الذي لا أصل دينيًّا له كما بينت الفتوى أعلاه.

ومن نتائج الربيع العربي الاجتياح المتزايد لظاهرة إلباس القاصرات الحجاب من قبل أسرهن. و المزعج حقيقة هو أن الكثير من هذه الأسر و التي تصف نفسها بالوسطية الإسلامية، دون إعطاء وصف دقيق للمصطلح، تتكلف القول بأن الفتاة ذات الخمسة أو الستة أو حتى العشرة أعوام قد لبست الحجاب برغبتها، و كأني بالطفلة لها من القدرة الذهنية ما يؤهلها اتخاذ قرار كهذا بكل تبعاته. و كأني بالأهل هنا يقولون، نؤمن بحق الإنسان في اتخاذ قراراته فيما يخص اللباس.! و رغم رومانسية الفكرة إلا أنها افتقدت المنطقية، فالحديث هنا عن أطفال و الأطفال بطبيعتهم لا ينظرون للأنوثة و الذكورة بعين البالغين. لذا كان لزامًا عليهم القول "نحن من البسنا الفتاة الصغيرة الحجاب" و لعلهم إن وضّحوا الأسباب لتغير مجرى نقاشنا بالكلية.

ثم أن أية حرية تلك التي تمارسها طفلة قد أشبعنا عقلها القاصر بالترغيب المعجون بالترهيب. فماذا نتوقع من طفل نغرق سمعه بأهوال الجحيم.! حري بِنَا قبل أن نحدق في وجه الأخر و نقول قد لبسته الطفلة طواعية، أن نحدق في مرآة أنفسنا و نتسأل عن حقيقة موقفنا إن قررت ابنتنا نزع الحجاب..! أعني أن حرية إتخاذ أية قرارات لا تكون إلا ببلوغ الإنسان رجلًا أو امرأة لسن الرشد و التي لا يحددها إلا القانون و لا تكون أبدًا سن الخامسة أو السادسة ولا حتى العاشرة.

وأما الزِّي المدرسي لبناتنا القُصَّر فسقطة أخرى من عدد سقطاتنا اللامتناهي ..! آلا نرى أن الطفل يُولَد فيُلف بالبياض الزاهر استعداداً لحياة جديدة، كذا تتشّح العروس بالبياض المتلألئ و تُزف لحياتها الجديدة، و يُكفن الميت بالبياض الطاهر نحو عالمه السرمدي. أما فتياتنا فيُغلفن بزي قاتم في انتهاك صارخ  لبراءتهن النفسية و تقييد حركتهن الجسدية و حشو أدمغتهن بأفكار تنضح بفحيح الجنس ناهيك عن اختطاف ذكرياتهن.

أجزم أن المبادئ الأساسية للتعليم لم تُراع و لا المرحلة العمرية للفتيات و لا تأثير القتامة على ذواتهن و تطور شخصيتهن و تحصيلهن العلمي. كل ذلك لا يهم مادام الأمر يُنظر إليه بعين ترى و لا تبصر. أكاد أرى صف من الفتيات متجلببات بهذه الطريقة تتصدرهن معلمة أشد وبالا بفكرها..!

العملية التعليمية ليست تلك المناهج البائسة و لا هي بمعلم كئيب لا يملك من أناقة الفكر و الملبس إلا النزر و تلميذات قاصرات بائسات بؤس من صمم هذا الزِّي و وافق عليه و خاطه و وزعه و نشره و فرح به..!

الخارقة الأهم أن هاته الصغيرات والمراهقات لن يسامحن هذا المجتمع على ما اقترفه ويقترفه في حقهن. سيظل محفورًا في ذاكرتهن، مشوهًا نفوسهن، عابثًا بأرواحهن إلى الأبد. سيعاقبن مجتمعهن شر عقاب بتنشئتهن لأجيال قانطة وعندها لن تكون هناك طريقة لجبر الخواطر.

إنه عصر الشادور الطائر صوب الليبيين (الوسطيين) المالكيين في معظهم..!

أيها الليبيون (الوسطيون) المالكيون في معظمكم.. إنها الأيديولوجية المتطرفة لا ريب.. إنه التطرّف الذي خمّر ما تبقى من عقول.

نعلم يقينًا أن الله علا شأنه هو العدل المطلق ولا يكون العدل عدلًا في الثواب والعقاب إلا بحرية الإنسان في الاختيار ولا تتأتى هذه الحرية إلا من خلال العقل و لا يبدأ العقل بالتمام إلا بإدراك سن الرشد، فعلينا جميعًا إمهال بناتنا حتى الوصول لسن الرشد لإتخاذ قرارها والذي ستتحمل هي وحدها تبعاته.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".