ANP - مشنقة رمزية للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، أقامها محتجون يطالبون بمحاكمته في صنعاء. 03-12-2011

رياض نسيم حمادي يكتب: لعبة السياسة في اليمن!

كثيراً ما يُقال إن علي عبدالله صالح "داهية" أو "سياسي خطير" فقط لأنه لم يسقط حتى اللحظة. يصدر هذا الحكم عن عبقرية الرجل من شرائح مختلفة من المجتمع بمن فيهم، المتعلمون والأكاديميون, وهم بذلك يعتقدون, كما يعتقد صالح, أن السياسة لعبة لا تنتهي أبداً أو أنها ستنتهي دائماً لصالحه! ولو انتهت بقتله فقوانين لعبة السياسة في منطقهم الخاص تسمح للموت أن يكون مرادفاً للانتصار في ظل ثقافة نشأت على أن الموت "إحدى الحسنيين" وأن الميت في هذه الحالة "شهيد"!.

السياسة لعبة دون شك وتفتقر إلى الأخلاق في كثير من حالاتها, لكنها مع صالح وأنصاره تخطت حدود كونها لعبة دولية, لها قوانينها الإنسانية ولو في حدودها الدنيا, لتصبح لعبة محلية تلقى التهليل على الرغم من نتائجها المأساوية على الأرض والبشر.

ثمة نكتة تقول إن صالح لن يغادر المشهد السياسي إلا وقد أعاد سكان اليمن -البالغ عددهم حوالي 30 مليوناً- إلى سبعة ملايين, وهو العدد الذي كان عليه عندما اعتلى سدة الحكم عام 79. هي نكتة لكنها تعبر عن حقيقة الرجل وعن وعي بهذه الحقيقة التي يكذبونها بقولهم إنه سياسي "داهية", حيث كلمة داهية هنا لها مدلول ظاهر يرادف الدهاء أو العبقرية, وتكشف النكتة عن مدلول خفي يعني التهلكة, أي أنه سيودي بنا إلى تهلكة جماعية قبل أن يرحل منفرداً.

وسياسة الرجل حتى الآن تشير إلى أن ذلك ليس بمستحيل, فهناك على الأرض تحركات تشير إلى احتمال تطبيق سياسة التطهير المناطقي فيما لو استدعى الأمر ذلك. وقد بدأت هذه التحركات بحصر سكان العاصمة مع التركيز على أبناء المناطق الوسطى وبالذات أبناء تعز. وقد سبق هذه التحركات ثقافة مناطقية تلقي باللوم على أبناء تعز وأنهم المسؤولون عن كل ما يحدث حالياً على اعتبار أنهم يقفون وراء ثورة 2011!.

حال اليمن, حتى قبل 2011, لا يختلف عليه اثنان عاقلان, مع ذلك تجد حتى الآن جدلاً حول صالح بين من يرجح كفة سلبياته ومن يرجح كفة إيجابياته ومن ينزهه عن الخطأ! مع أن واقع الصحة والتعليم والبنية التحتية يشير إلى كل من له سمع وبصر أن الرجل لم ينجز شيئاً لهذا البلد.

لكن الذين يتحدثون عن منجزات صالح لا يتخلون عن المنطق والعقل كلياً, حين يقارنون بين وضع اليمن قبل 2011 وبعده, ليصلوا إلى نتيجة واضحة هي تدهور الوضع. إلى هنا ينتهي بهم العقل دون أن يدركوا أن الوضع الحالي ليس ناتجاً عن تخلي صالح عن الحكم ولكن بسبب عدم رغبته في التخلي عن السلطة, فهو لم يسلم من السلطة إلا العلم الوطني, وظل محتفظاً بقوة عسكرية ضاربة يستعملها منذ اندلاع الحرب في الانتقام ممن يعتقد أنهم السبب في إزاحته عن حكم كان يخطط منذ سنوات لتوريثه.

صالح لم يكن صالحاً ولم يكن يؤمن بالحكم الرشيد ولا بالسياسة كلعبة تقوم على تبادل السلطة, وإنما رقصاً على رؤوس الثعابين, كما صرح قبل ثورة 2011. رجل كهذا لن يتخلى عن السلطة لآخرين يعتبرهم ثعابين ويرى نفسه سياسي "داهية", ولن يكتفِ بالرقص على رؤوسها ولكن بقطعها, ولو بالتحالف مع ثعابين أخرى كالحوثيين, حتى لو اقتضى الأمر قطع آلاف, أو ملايين, الرؤوس, خصوصاً أن من بين هؤلاء من أعطاه الحق في قتل مليون أو حتى مليونين في سبيل بقائه على السلطة!.

تحالف الثعابين, إن لم يتم القضاء عليه بقوة ثالثة محايدة, كان سيقود في النهاية إلى صراع بين طرفين يعتبران الحكم ملكية تُنتزع إما بالقوة, كما يرى صالح, أو بتفويض إلهي وقوة السلاح, كما يرى "أنصار الله". وهناك بوادر إلى هذا الصراع تحدث من حين لآخر وما منعها من الظهور بقوة هو وجود خصم, أو طرف ثالث, يوحدهم ويطيل تحالفهم, ويضعفهم في الوقت نفسه ليحول دون انتصار ثعبان على الآخر.

القضاء على تحالف الثعابين لن يكون إلا حلاً مؤقتاً, أما الحل الجذري فيكمن في خلق ثقافة ديموقراطية لا ترى في السياسة لعبة أبدية, أو أنها تنتهي دائماً ببقاء الحاكم الفرد وسقوط الشعب, ولكن بوصفها لعبة مدتها خمس سنوات وتهدف إلى بقاء الدولة والشعب وسقوط حاكم وصعود آخر.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".