أحمد زيدان يكتب: لماذا انتخب الأميركيون دونالد ترمب؟

ذُهل الكثير من الأميركيين والعالم أجمع من انتخاب دونالد ترمب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية، وهو ملياردير لم يشغل أي منصب عام من قبل، واتُهم بالتحرش الجنسي، وعُرف بتعليقاته الخليعة الموجهة للنساء، ونزعاته العنصرية والمضادة للأقليات، وقلة خبرته بالشؤون السياسية الخارجية، ومواقفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتقلّبة، وكيلِه السُباب لمعارضيه حتى أن صحيفة نيويورك تايمز طبعت صفحتين كاملتين في شهر أكتوبر 2016 لـ282 شخصًا وشيئًا أهانها ترمب عبر تغريداته على موقع تويتر فقط. ولكن لماذا انتخب 60 مليون أميركي شخصًا بهذه الصفات؟!

فاز ترمب بأغلبية أصوات الناخبين ذوي أعمار 45 عامًا وأكثر، وفاز بأغلبية أصوات الناخبين البيض، والذين يكوّنون 70% من جمهور الناخبين، وخصوصًا البيض غير الحاصلين على شهادات جامعية، في حين فازت كلينتون بأغلبية أصوات الناخبين السود. وفاز ترمب كذلك بأغلبية أصوات سكان الريف والضواحي، بينما فازت كلينتون بأغلبية أصوات ناخبي المدن الحضرية.

نجح ترمب (70 عامًا) في وسط غرب الولايات المتحدة، والولايات الجنوبية، وإقليم الجبال، وتتكوّن هذه المناطق من ولايات ذات أغلبية بيضاء محافِظة ومسيحية، وتميل لدعم التسليح والعسكرة (بالرغم من أن ترمب أعلن عن رفضه لغزو العراق وقصف ليبيا)، ويدعم غالبية سكانها الحزب الجمهوري وتُسمّى بالولايات الحمراء. ويشعر سكان المناطق الريفية من هذه الولايات، ومعظمهم من البيض ذوي الياقات الزرقاء، بالتهميش سواء من الإدارة الفيدرالية في واشنطن، أو الإعلام، أو المهنيين ذوي الياقات البيضاء في المدن الساحلية الحضرية على الأطراف الأربعة، وهي مدن أكثر تقدمية وتميل لدعم الحزب الديمقراطي، مثل مدينة نيويورك (ولاية نيويورك)، وسان فرانسيسكو ولوس أنجلِس (كاليفورنيا)، وميامي (فلوريدا)، وسياتل (واشنطن)، بالإضافة لمدن حضرية أخرى متفرقة. ووصف فان جون، محلل شبكة سي إن إن الإخبارية الأميركية، انتصار ترمب بأنه "صفعة بيضاء ضد أول رئيس أسود (باراك أوباما)" وسياساته. وفي كتاب "غرباء في وطنهم" تقول آرلي راسل هوكستشايلد، باحثة علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا في بركلي، إن بعض أعضاء حركة الشاي، وهي حركة أميركية محافظة، قالوا لها إنهم "سئموا من الثقافة الليبرالية التي تسخر من معتقداتهم (المسيحية) ووطنيتهم". وهذه الثقافة الليبرالية تتركز في المراكز الحضرية.

"استغل دونالد ترمب تدهور حال الطبقة الوسطى وغضبها العارم من المؤسسة السياسية والمؤسسة الاقتصادية والمؤسسة الإعلامية"
by برني ساندرز، سيناتور ديمقراطي عن ولاية فرمونت

وبالإضافة للوافدين للولايات المتحدة من دول أخرى، والذين عادة ما يستقرون في المراكز الحضرية والضواحي، فإن الهجرة الداخلية الأميركية لتلك المراكز الحضرية خلقت كتلتين أميركيتين مختلفتين جذريًا، واحدة حضرية وأخرى ريفية، وكل منهما شبه منفصل عن الآخر اجتماعيًا واقتصاديًا. وفي انتخابات عام 2016، انتصرت أميركا الريفية على نظيرتها الحضرية.

ألهب ترمب مشاعر العمال الأميركيين البيض الذين سُرّحوا من وظائفهم نتيجة نقل عمليات العديد من المصانع والشركات لدول جنوب شرق آسيا مثل الصين والهند. وقد كانت إحدى وعوده الانتخابية إجبار مثل تلك الشركات على الرجوع مرة أخرى للولايات المتحدة، وتفضيل العامل الأميركي المحلي على نظيره غير الأميركي.

وسبق فوز ترمب في الولايات المتحدة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الآوروبي، وصعود الجبهة الوطنية الفرنسية ورئيستها مارين لوبان، وحزب من أجل الحرية الهولندي ورئيسه خيرت فيلدرز، وحركة "بيغيدا" الألمانية، وغيرها من الأحزاب والحركات اليمينية الآوروبية التي تشترك كلها في أيديولوجيا واحدة، وهو عدائها للأقليات والمهاجرين. وإن كانت تلك الأحزاب تمثل الموجة الثانية للفاشية (بعد الموجة الأولى في منتصف القرن العشرين)، فما هي سوى ردّة فعل رجعية للهجرة غير المسبوقة من دول العالم الثالث للدول الغربية، وهي الهجرة التي تُسأل عنها الدول الغربية الاستعمارية دون غيرها لما اقترفته، ولا زالت، في حق دول المنبع. ونجاح ترمب لا يمثل سوى وصول تلك الموجة الفاشية لشواطئ الولايات المتحدة.

ولا يمكن إغفال شخصية ترمب الصاخبة والثرثارة، وهو الذي سوّق نفسه كونه رجل أعمال ناجح، ونجمًا لتلفزيون الواقع، ومتحدثًا بلا تحفّظ بعكس السياسيين التقليديين، وهي الشخصية التي جذبت قطاعات واسعة من الناخبين، ودفعت الكثيرين ممن لا يشاركون في العملية السياسية في العادي، للتسجيل والتصويت لترمب. بل إن حتى فضائح ترمب المتتابعة وتركيز وسائل الإعلام عليه بشكل سلبي طوال حملته الانتخابية منذ إعلانه عن ترشحه في شهر يونيو 2015، كلها عوامل روّجت سلعته وصبّت في مصلحته في نهاية المطاف. ويبدو أن ترمب وثق في حدسه على طول الخط غير آبه بالمحللين والمنتقدين الذين وصفوه بالمختل، ولا باستطلاعات الرأي التي استبعدت فوزه.

وإذا كان البرنامج الشعبوي الذي أعلنه ترمب أثناء حملته الانتخابية راق الطبقة العاملة البيضاء الحانقة على المؤسسة السياسية، فإن كلينتون هي الوريثة الشرعية لتلك المؤسسة، كونها سيدة أولى سابقة، وسيناتورة سابقة، ووزيرة خارجية سابقة. ويمكن القول بأريحية إن كلينتون، رغم كونها سياسية محنّكة، غير جديرة بثقة الكثير من الأميركيين، بل ومنبوذة من أغلبية الجمهوريين ومن شريحة ليست بالقليلة من المستقلين والديمقراطيين، وخصوصًا أنصار برني ساندرز، وذلك لأسباب عديدة أبرزها تلوّي مواقفها السياسية لإرضاء أكبر عدد من الأطراف، وتحمّلها جزءًا كبيرًا من المسؤولية عن الفوضى التي سادت ليبيا عقب تدخل الناتو العسكري ومقتل القذافي في عام 2011، والتي أسفرت عن مقتل السفير الأميركي إلى بنغازي في العام اللاحق، واستخدامها لخادم بريد شخصي للمراسلات السرية أثناء خدمتها كوزيرة خارجية، وخلطها بين تمويل مؤسسة كلينتون وحملتها الانتخابية، ودعمها لجماعات الإسلام السياسي مثل الإخوان المسلمين. وقد ساعد الشعور العام بالشك تجاهها وتجاه مواقفها، في دفع عجلة ترمب نحو البيت الأبيض.

فاز ترمب بالولايات الجمهورية الحمراء بالإضافة للولايات المتأرجحة، ولكنه سيحكم لأربعة أعوام بلدًا منقسمًا بين "حركة الشاي" وحركة "حياة السود مهمة" (Black Lives Matter).. بلدًا أُلغي فيه الفصل العنصري منذ 50 عامًا، ولكن يرزح تحت سطحه استقطاب وتوتر عرقي.. بلدًا محدودًا بخطوط غير مرئية تفصل بين البيض والسود أعيد ترسيمها في هذه الانتخابات.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".