علي أنوزلا يكتب: مرحبا بكم في "عالم ترامب" الغامض الواضح

أصيب الكثير بالذهول بعد فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، وكأنهم لم يتوقعوا مثل هذا الفوز الذي كان يبدو شبه محقق، بعد أن خلا الجو أمامه في حملة انتخابية سيطر عليها منذ ظهوره على الساحة كمرشح. فعندما ترشح ترامب في البداية، اعتقد الكثيرون أن الأمر يتعلق بمجرد "نزوة" شخصية لدى رجل أعمال ثري - كان مغمورا خارج بلاده قبل أن يدخل مضمار المنافسة نحو البيت الأبيض - لإشباع رغبته من "الظهور الإعلامي". لكن يبدو أن الرجل الذي وُصف بـ "الساذج" و"الغبي" وغيرها من الأوصاف القدحية، التي لا مجال لإثارتها هنا والآن بعدما انتُخب رئيس لبلاده، كان أذكى من كل أولئك الذين اتخذوا من تصريحاته الغريبة والمقززة، أحيانا كثيرة، وسيلة للتفكُّه بصاحبها والتندر عليه.

"الحقيقة الجلية اليوم هي أن ترامب هو الفائز. ويبقى هذا الفوز، بكل ما يمثله من عودة لـ "القيم" الرجعية، وما يحمله خطاب صاحبه من عنصرية تجاه الأجانب، وازدراء للنساء، وكراهية للأقليات، صدمة كبرى للديمقراطية الغربية، وهذا ما جعل الديمقراطيين في العالم، أي كل أولئك الذين يؤمنون بما راكمه الفكر الديمقراطي من قيم على مر تاريخ البشرية، يشعرون بالغضب والقلق على مستقبل الديمقراطية نفسها التي أصبحت تعاني من الهشاشة"
by علي أنوزلا

من كان ينظر لترامب بالأمس القريب على أنه مجرد "أرنب سباق" على شاكلة الكثير من المرشحين الذين يدخلون السباق لتسخينه قبل سَحبهم منه أو إرغامهم على الانسحاب منه في مراحله الأخيرة والحاسمة، فوجئ الجميع ليس فقط بمواصلته السباق حتى محطته الأخيرة، وإنما بانتزاعه فوزا واضحا على منافسته. لكن السؤال الصائب الذي يجب طرحه اليوم بعدما اختار الأمريكيون رئيسهم، هو هل كان توليّ مرشحة مثل كلينتون رئاسة أمريكا سيُعد أمر إيجابي؟ من يعتقدون ذلك ينسون، أو على الأقل، لا يريدون الاعتراف بأن أحد أهم أسباب فوز ترامب هو وجود منافسة وحيدة له اسمها هيلاري كلينتون التي تجسّد في نظر الكثير من الأمريكيين النخبة السياسية التقليدية الفاسدة في واشنطن. وربما لهذا السبب صّوت البعض، ولو على مضض، لصالح ترامب الذي يبقى "نظيفا" مقارنة مع ما راكمته السيدة الأولى السابقة ووزيرة الخارجية السابقة والسيناتورة السابقة من استياء ضدها.

هيلاري كلينتون، التي لم يكن يشفع لها ترشحها سوى أنها كانت ستصبح أول امرأة ترأس الولايات المتحدة، دفعت ثمن أخطائها الكثيرة وأيضا ثمن إخفاقات سياسات الرئيس الديمقراطي باراك أوباما الذي فشل في تحقيق وعوده خاصة تلك المتعلقة بمحاربة العنصرية والقضاء على الفجوات الاجتماعية وإنهاء صراعات الهوية، وقد أثر ذلك على تراجع تصويت السود والشباب في هذه الانتخابات مقارنة بالعام 2008 و2012 عندما صوتوا بكثافة لأوباما لولايتين متتاليتين. وبالمقابل نزلت فئة كبيرة من المجتمع الأمريكي من الأمريكيين البيض سكان الأرياف، وأغلبهم محافظين، للتصويت. ويعتقد اليوم أنهم هم من رجّحوا كفّة ترامب الذي نجح بخطابه الشعبوي والعنصري أن يصل إليهم وحققوا له الفوز الذي فاجأ الجميع. وتُعد هذه الفئة شبه منسيّة من طرف السياسيين لأنها نادرا ما تهتم بالسياسة، وبالتالي لا تشارك حتى في استطلاعات الرأي، وهذا واحد من أسباب أخطاء هذه الأخيرة في التنبؤ بفوز المرشح الجمهوري.

وأتصور لو أنه كٌتب للمرشح الديمقراطي برني ساندرز أن يكون هو مرشح حزبه في نهائيات الانتخابات الأمريكية لشهدنا منافسة حقيقية حادة وشديدة بين عرضين حقيقيين يقدمان بديلين مختلفين تماما حد التناقض للفئات الواسعة الغاضبة من ساسة واشنطن، ولكان الفرز واضحا بالنسبة للناخب يوم الاقتراع.

 

والحقيقة الجلية اليوم هي أن ترامب هو الفائز. ويبقى هذا الفوز، بكل ما يمثله من عودة لـ "القيم" الرجعية، وما يحمله خطاب صاحبه من عنصرية تجاه الأجانب، وازدراء للنساء، وكراهية للأقليات، صدمة كبرى للديمقراطية الغربية، وهذا ما جعل الديمقراطيين في العالم، أي كل أولئك الذين يؤمنون بما راكمه الفكر الديمقراطي من قيم على مر تاريخ البشرية، يشعرون بالغضب والقلق على مستقبل الديمقراطية نفسها التي أصبحت تعاني من الهشاشة. لذلك، وفي سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، ومباشرة بعد إعلان فوز ترامب، خرجت في شوارع مدن أمريكية من بينها العاصمة واشنطن، مظاهرات احتجاجية ضد "ديكتاتورية الديمقراطية" الأمريكية التي فرضت ترامب كخيار لا محيد عنه ولا سبيل لتجاوزه!

سيكون يوم التنصيب الرسمي للرئيس الأمريكي الجديد في 20 يناير المقبل، موعدنا مع ما سيحمله "عالم ترامب" الغامض من مفاجآت التي لن تقل عن تلك التي كشفت لنا عنها حملته الانتخابية. إنه "عالم" "مليء بالغرور والغطرسة والكذب والتهور وازدراء أعراف الديمقراطية، وهو ما سيؤدي لا محالة إلى شتى أنواع الانحدار والمعاناة الوطنية"، كما كتبت مجلة "نيويوركر". لكنه، على الأقل، سيكون عالما واضحا يسهل الاختيار فيه على الكثير من المترددين في الدفاع عن القيم الديمقراطية الحقيقية.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".