هنا صوتك - كاريكاتير محمد قجوم

سالم أبوظهير يكتب: العرق الليبي المدسوس

علم النفس الاجتماعي من العلوم الإنسانية الموغلة في القدم، والموجودة في مؤلفات أفلاطون وأرسطو، والذي إمتد حتى القرن الرابع عشر الميلادي حين أسس له أبن خلدون وجعله علماً قائماً مستقلاً بذاته، مستنداً في ذلك على كتابات من سبقوه، فحاول تشخيص أسباب تطور الجماعات الإنسانية، وأسباب انحطاطها عن طريق توظيفه لعدد من العوامل أهمها كانت العوامل النفسية.

تطورعلم النفس الاجتماعي تدريجيا، وتشعبت فروعه وتداخلت، ولكن أخطر هذه الفروع على الاطلاق هوعلم النفس الجماعي والذي يدرس الظواهر النفسية للجماعات في المكان الواحد، ويطلق عليه أحيانا علم نفسية الجماهير، ويسعى العلماء عبر هذا العلم للتحكم في نفسية الجموع، وضبط سلوكهم والتحكم في تصرفاتهم، بل والتنبؤ بها، مستخدمين في ذلك أدوات ملموسة وظاهرة للعيان يمكن حسابها، وعدها والتحكم فيها، فاستعان علم النفس الجماعي ليدرس سلوك الجماعات ويتحكم فيها بعلم الاقتصاد واستخدم الأيديولوجيات الدينية أوالسياسية عبر وسائل الدعاية والإعلان المدروسة بعناية وموجهة للفرد ومحسوبة بدقة متناهية كما وكيفاً.  

وقد خطر ببالي أن أكشف بعض الظواهرالنفسية للفرد الليبي في إطار علم النفس الجماعي، وفي ظل ما يحدث في البلاد الليبية من تشرذم وانقسامات ومزايدات لاحد لها، مرة بالوطنية ومرة بليبيا وحدة واحدة وأخرى بدم الشهداء مايمشيش هباء وثورة فبراير خط أحمر،  فيما لا يعدم المزايدون باستحداث كلمة أو مجموعة كلمات يضفون عليها القداسة وعدم المساس لتكون سبيلهم (للعفس) على الرقاب (واجتثاث الرؤوس) و(قطع الألسن) التي تطالب بإيقاف هذا العبث الذي طال وأضر بالبلاد والعباد على حد سواء.

على ضوء معطيات علم النفس الجماعي الذي يهتم جدأً بدراسة أسباب انقياد الجموع لشخص واحد تسلم له رقبتها عن طيب خاطر، ويدرس أيضا جاذبية وسحر هذا الشخص التي امتلكها ووظفها بذكاء ليمارس سلطته عليهم بطيب خاطر أيضاً، ودون أدنى اعتراض، بل يمكن لهذه الجماهير أن تضحي بكل ما لديها من أجل القائد أو الشيخ أو المعلم أو البطل ليتحول إلى رمز يتم وضع خط أحمر غليظ تحت اسمه، يتحول هذا الأحمر تدريجيا إلى دماء تسفك من أجل الوطن الذي وضع هذا الرمز نفسه وصياً عليه، رضي الآخرون بذلك أم لم يرضوا.

علم النفس الجماعي يبين في بعض فصوله أن الأيديولوجيا الدينية عند بعض الشعوب هي أخطر الأدوات المسلطة بالخطأ وبسبق الإصرار لتكون سيفاً لامعاً يجز الرقاب، وأن الملا أو الحاخام، أو الربي أو الشيخ أو المفتي أو الإمام أو البابا أو الفقيه، هم عند البعض بشر مثلنا لكنهم مختلفون عنا، فلا ينطقون عن الهوى، ولذا يجيده معظم الزعماء الدينيين في كل الأديان تقريبا وإذا ما حانت لهم الفرصة على توظيف هذا الدين بما يخدم مصالح أخرى لاعلاقة لها بالدين السماوي المنزل، ومن الجانب الآخر يسعى الإنسان بشكل طوعي ليصنع زعيما وطاغية ويرى فيه المنقذ إذا ما برزت الحاجة لذلك.

علم النفس الجماعي علم مفيد ومفيد بشكل خاص وأكثر لأفراد المجتمع الليبي، لأن هذا العلم سينير عقولنا ويفسر لنا بوضوح الأسباب الحقيقية لتصرفات بعضنا العمياء، التي تؤدي بنا لنتحمس زيادة على اللزوم، لنصنع زعيماً بأيدينا مهما اختلف شكله ولونه ونوعه وحجمه، المهم أننا لا نتوقف عن اللهج والدعاء له لدرجة تقترب من التقديس وسواء دعونا له بالخير أو دعونا على من يمسه بسوء، أو أننا ألفنا القصائد لمدحه ودفعنا الأموال ليتغنى الآخرون بمثالبه وأمجاده ونحفظها نحن ونرددها بسعادة ومتعة، لكننا نخجل من تكرارها ونسعى بكل الطرق لمحوها من ذاكرتنا بعد موته أو بعد ان نقتله، لنواصل الانبطاح أمام زعيم جديد ننتظر ظهوره، ليخلصنا أو نصنعه نحن وتتكرر مأساة التهويل والتطبيل والتزمير في شخص واحد، كان قبل أن نصنع منه بطلاً زعيما منقداً، شخصاً مثلنا يأكل ويشرب وينام، ويرضى بالضيم والقهر، ويعاني مثل ما نعاني وكان يصفق ويهتف ويغني ويسعى للتقرب من ذلك الشخص الذي قبله، شخص بعضنا سماه الزعيم وبعضنا من قتله. 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".