وائل عباس يكتب: هل كان جي فوكس ثوريا أم إرهابيا كاثوليكيا؟!

"تذكر تذكر.. الخامس من نوفمبر"، عبارة قالها بطل فيلم "في فور فينديتا" الشهير، مرتديا قناع جي فوكس، الذي تحول إلى قناع يرمز للثورية في أيامنا هذه، وأصبح رمزا للويكيليكس وتسريباتها الشهيرة، وجماعة الأنونيموس الشهيرة باختراق الشبكات وتحدي الحكومات. ارتدى هذا القناع أعضاء حركة "أوكيوباي" في مظاهراتهم التي ملأت شوارع الولايات المتحدة لفترة، وارتداه الثوار في مصر وكثير من الدول التي شهدت ربيعا ثوريا يبدو أنه يحتضر الآن، كما تحتضر ويكيليكس وأنونيموس بعد أن أصبحا لعبة في يد الروس.

أحب من فترة لأخرى أن أكتب مقالا عن التاريخ الإنجليزي، بحكم دراستي للأدب الإنجليزي، وأعترف أني لم أستفد أدبا بقدر ما استفدت تاريخا، أو ربما كنت أميل لمعرفة أحداث التاريخ أكثر من التعرف على جماليات اللغة والكتابة، فلطالما كان الأدب في نظري وسيلة لتزييف الواقع والحقائق والتاريخ، اقرأ مقالي "شكسبير لص" لتعرف المزيد عن وجهة نظري هذه، فالأمة الإنجليزية أيضا تعاني تاريخا مزورا مثلنا، وإن كانوا تقدموا للأمام واحتضنوا أخطائهم بعد أن اعترفوا بها وكان ذلك أكبر داعم لتقدمهم. واليوم أثناء كتابة هذا المقال هو الخامس من نوفمبر بالفعل.

ولد جي فوكس إنجليزيا بروتستانتيا، لأبوين ينتميان للكنيسة البروتستانتية، إلا أن أجداده كانوا كاثوليك، واختار هو أن يكون كاثوليكيا أثناء فترة مراهقته وربما لزواج أمه برجل كاثوليكي بعد وفاة والده، وكان الكاثوليك في ذلك الوقت أقلية مضطهدة. وترك فوكس بلده لينضم للجيش الإسباني الكاثوليكي، والذي يعتبر جيش الأعداء في ذلك الوقت وتعتبر بلده في حالة حرب ضدهم، وترك سمعة بأنه محارب بارع وعلى دراية كبيرة بفنون الحرب.

شارك فوكس في مؤامرة البارود الشهيرة لتفجير البرلمان الإنجليزي يوم افتتاحه في الخامس من نوفمبر عام 1605 مستخدما 36 برميلا من البارود، إذ قام المتآمرون بتأجير غرفة في قبو البرلمان وانتظروا الجلسة الافتتاحية ليقتلوا الملك جيمس الأول وأعضاء برلمانه، ولكن المؤامرة انكشفت بسبب خوف أحد المتآمرين على حياة أحد أعضاء البرلمان من الكاثوليك فكشف له المؤامرة، وبدوره كشف العضو عنها للملك جيمس.

قُبض على جي فوكس قبل تنفيذ مخططه في الغرفة التي استأجروها وكان هو المسؤول عن إشعال الفتيل، والسائد أنه أُعدم حرقا، بينما يقول المؤرخون إنه شُنق وقُطعت أوصاله، بينما الحقيقة، كما كشفتها كاميلا تيرنر من جريدة الجارديان مؤخرا، تقول إنه قفز ليكسر رقبته هربا من قطع خصيتيه، وفتح بطنه وأخرج معدته وأمعاءه وهو حي، وهو ما كان المتعارف عليه وقتها في التعامل مع الخونة.

تحول يوم الخامس من نوفمبر إلى احتفال سنوي في انجلترا ومستعمراتها بنجاة الملك والبرلمان، ويشتهر بالألعاب النارية والبطاطس المشوية وإحراق دمى تمثل جي فوكس وبابا روما الكاثوليكي، ويتخلله الكثير من الشعارات الطائفية المعادية للكاثوليكية، وإن كان هذا ليس الوضع حاليا بعد أن أصبحت إنجلترا دولة علمانية، لكن العيد كان طائفيا متعصبا بامتياز خصوصا في القرن السابع عشر وما بعده.

يقول أحد أعضاء حركة أنونيموس أن اختيار القناع في عام 2006 جاء لأسباب عملية فقط لأن القناع كان منتشرا بعد الفيلم الشهير، وأنهم اختاروه من بين عدة أقنعة مثل قناع باتمان مثلا، ولكن توفّر قناع جي فوكس في السوق هو ما دفعهم لاختياره توفيرا للنفقات.

كانت إنجلترا كاثوليكية تتبع بابا روما، حتى جاء هنري الثامن ليعلن قطيعة مع كنيسة روما لأسباب تتعلق بزيجاته التي كان البابا يرفضها، وهذه قصة طويلة لن يتسع المقام لسردها، لذا تحولت إنجلترا تحولا عنيفا إلى البروتستانتية مثلما تحولت مصر من فاطمية إلى سنية في عهد صلاح الدين الأيوبي، وشهدت إنجلترا اضطهادا رهيبا ضد الكاثوليك، مثل إعدامات لرجال الدين مثل جون فيشر وتوماس مور، وحرق وتدمير الأضرحة التي كان يتبرك بها الأهالي ويحجون إليها، وهذا يعطينا لمحة عن خلفية جي فوكس المضطهدة.

لم يكن جي فوكس الرأس المدبّر لتفجير البرلمان، وإن كان حاول من قبل التآمر مع فيليب الثالث ملك إسبانيا الكاثوليكي لقتل الملك جيمس، لكن المدبّر كان روبرت كاتسبي، وهو شخصية كاثوليكية معروفة، شارك في تمرد إيسيكس الكاثوليكي، وكان من المشجعين لغزو إسبانيا لإنجلترا، وكان مستاء من تجديد الملك جيمس لاضطهاد الكاثوليك مرة أخرى بعد أن كانت الأمور قد هدأت في عهد الملوك السابقين أو عائلة تيودور التي شهدت تسامحا مع الكاثوليك وكان آخرهم الملكة اليزابيث الأولى، وكوّن روبرت خلية من 13 شخصا كان لكل منهم دوره، واستأجروا حجرة أسفل البرلمان، وكان هذا أمرا عاديا وقتها، وكلّف روبرت جي فوكس بإشعال الفتيل ربما بسبب خلفيته العسكرية كمحارب في الجيش الإسباني.

لم يكن جي فوكس كاثوليكيا متطرفا فقط، بل كان عنصريا أيضا ضد أهل اسكتلندا، وكان يرى في جيمس الأول ملكا دخيلا على إنجلترا من أصول اسكتلندية، وهذا صحيح إلى حد ما، فقد كان جيمس ملكا لاسكتلندا منذ عام 1567، ثم أصبح ملكا للاتحاد بين إنجلترا واسكتلندا في عام 1603، وكان جيمس ابنا لماري ملكة اسكتلندا، وحفيدا لهنري السابع ملك إنجلترا وآيرلندا، لذا فبعد وفاة اليزابيث الأولى كان هو الوريث الشرعي للممالك الثلاث. ويقال أن جي فوكس في اعترافاته عن سبب المؤامرة قال: "لقد خططت لأفجركم أيها الشحاذون الاسكتلنديون لتعودوا إلى جبالكم في الشمال وتتركونا."

وربما تأتي أسطورة جي فوكس من تحمّله التعذيب لمدة يومين قبل أن يرشد عن شركاء المؤامرة، وأنه لم يعلن الندم أبدا رغم التعذيب، حتى أن الملك جيمس نفسه يقال أنه أثنى على ثباته على موقفه. وكان فوكس يحب أن يناديه الناس باسمه الإيطالي الذي اختاره لنفسه وهو "جيدو فوكس" ليعطي انطباعا بانتمائه لكنيسة البابا في روما.

ومن المفارقات التاريخية أنه مثلما ولد جي فوكس بروتستانتيا ثم تحول إلى الكاثوليكية وناصب الكنيسة البروتستانتية العداء، فقد ولد الملك جيمس على العكس كاثوليكيا وعُمِّد في كنيسة كاثوليكية وكانت أمه الملكة ماري كاثوليكية، لكنها حُبست وفُصل هو عنها ليتربى تربية بروتستانتية ويناصب الكاثوليك العداء.

أثبتت تجربة علمية أجريت في عام 2005 أن كمية المتفجرات التي كانت بحوزة جي فوكس لم تكن كافية لتفجير البرلمان في حال ما نجحت الخطة بالفعل، ولكن يبقى السؤال المطروح في العنوان بعد قرائتكم للمقال، هل كان جي فوكس ثوريا يناضل من أجل المضطهدين أم متطرفا دينيا وإرهابيا متعصبا؟ ما رأيكم؟

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".