هنا ليبيا - ريشة الساطور

وفاء البوعيسي تكتب: تعددت الدواعش والفكر واحد

"داعش لا تمثل الإسلام. داعش مؤامرة أمريكية صهيونية، داعش تهدف إلى تشويه المسلمين تمهيداً لاحتلال بلدانهم وسرقة ثرواتهم".

هذه الكلمات المعلوكة في أفواه ملايين المسلمين حول العالم، لا يفتأ يرددها من يصفون أنفسهم اليوم بالمسلمين المعتدلين الذين يجسّدون الإسلام السمح والحنيف، غير أنك سرعان ما سترى هؤلاء بالذات يتساءلون لماذا لا تستهدف داعش إيران وشعبها الذي يصفونه بالمجوسية، رغم أن إيران بلدٌ مسلمٌ شعباً ودولةً وقوانيناً، وسرعان ما ستراهم يرقصون طرباً لقيام أحد ذئاب داعش المنفردة، بقتل مواطنين أبرياء في فرنسا كانوا يحضرون حفلاً موسيقياً بالسلاح أو دهساً بشاحنة، وستجدهم يتشفون بقتل مواطنين ألمان بفأس في قطار أثناء ذهابهم لأعمالهم، أو تصفية مجموعة من المثليين جنسياً وهم يحتفلون بنادٍ ليلي بأميركا، أو مجموعة من المسافرين عبر مطار بروكسل، بل وستراهم وهم يتدافعون لتهنئة بعضهم البعض لاغتيال مدون على فيس بوك، كان قد كتب شيئاً عن المساجد التي تبث الفتن وتلقّن الشباب التطرف، وتحولهم إلى قنابل موقوتة تنفجر في الأبرياء كما حدث مع الشاب اليمني عمر محمد باطويل، وسيبادرون فورأ لإنشاء صفحة على فيس بوك تطالب بالإفراج عن قاتل أحد الكتاب الأردنيين لأنه وضع على صفحته صورة تمثل إله الدواعش وهو يخدمهم في الجنة بعد أن حصلوا على مكافآتهم من الخمور والنساء، كما حدث مع الكاتب ناهض حتر، بل وستراهم يتحسرون على الميتة السريعة التي ماتها بالرصاص، متمنين لو أنه قد ذاق كل صنوف العذاب قبل أن يلفظ أنفاسه.

داعش التي يتنصل المسلمون المعتدلون منها ومن أفعالها ومن تعاليمها، ويصفونها تارةً بالخروج عن الإسلام وطوراً بالعمالة للصهيونية، لا يزعجهم منها إلا المكان الذي تستهدفه فقط وليس أي شيء آخر، فالإرهاب الذي يطال العُزل والأبرياء أثناء سعيهم للحياة ليس هو المشكلة، بل المشكلة هي على أي أرض يعيش هؤلاء العزل وما هي جنسيتهم، فإن كان عدوانها قد وقع في مصر أو الخليج أو شمال إفريقيا فهو عمل صهيوني يقوم به شذاذ الآفاق الخارجين عن ملة الإسلام، لكنه سيتحول إلى عملٍ نبيل ولا بأس به لخدمة الإسلام إذا ما وقع في طهران أو نيويورك أو باريس أو برلين أو بروكسل أو تل أبيب، بل إن الكثير من المسلمين الذين يصنفون أنفسهم بالمعتدلين اليوم، ليتمنون لو أن الدواعش يكثفون هجومهم على الشيعة والأوربيين والأمريكيين واليهود.

عندما حلت داعش بقضاء سنجار بالعراق، وقامت بعمليات تطهير واسعة بحق رجال الديانة الأزيدية واسترقت النساء جنسياً، توقعت - بيقين كبير جداً - أنني سأستيقظ باليوم التالي، على هدير المظاهرات في العالم الإسلامي من نواقشوط إلى جاكرتا، منددةً بهذه الجريمة المنكرة التي كافحت البشرية لأجل تحريمها دولياً، لكونها ارتُكبت تحت راية الإسلام البريء من هذه الأفعال، لكني لم أسمع وقتها إلا همهمات خافتة تتهم التنظيم بأنه صناعة غربية وصهيونية، ويقيني ذاك كان مرده هبة شعوبنا للدفاع عن دينها مرتين، الأولى بمناسبة صدور رواية آيات شيطانية، والثانية بمناسبة قيام صحيفة يولاندس بوستن الدنماركية، بنشر بعض الرسوم المسيئة لشخص النبي، بمظاهرات غصت بها الشوارع لأسابيع طويلة ولم تهدأ إلا بعد أن اتخذت حكومات العالم الإسلامي تدابير كثيرة ضد بريطانيا والدنمارك، فكيف ولماذا أحس المسلمون بالإساءة إلى دينهم، بسبب أفكار دوِنت في كتاب أو رُسمت على ورق، ولم يحسوا بأي إساءة لأفعال الإبادة الجماعية والتهجير القسري والاسترقاق الجنسي، التي ارتُكبت بالعراق تحت علم يحمل اسم الله ورسوله؟

إن محاولة إيجاد حدود فاصلة ودقيقة للتمييز بين متى يكون المرء داعشياً ومتى يكون معتدلاً هي حدودٌ مفتوحةٌ ومتميعةٌ جداً وغائمة، بما يسمح لكلا الطرفين بالتنقل بينهما بسهولٍة ويسرٍ شديدين، وبقدرة كل طرف على شغل مكان الآخر كلما دعت الحاجة لذلك، فإن كان الفعل الإرهابي الذي تقوم به داعش، موجهاً ضد شعوب مكروهة بالمنطقة لظروف سياسية كالغرب، أو لأسباب تاريخية بسبب العنصرية الطائفية كإيران وغير المسلمين، فإن ذلك سيعد عملاً مقبولاً ولا بأس به، وسيبعث في المسلم المعتدل مشاعر الفرح والشماتة، أما إن كان الفعل موجهاً ضد شعوب المنطقة من السُنة تحديداً، فإنه سيعود لعلك تلك الجملة المستهلكة، وهي أن داعش حركة مشبوهة هدفها تشويه الإسلام.

في تلك المنطقة الحدودية المفتوحة بين المسلم الداعشي والمسلم المعتدل، والتي لم تعرف بعد اتفاقيات ترسيم حدود، ووضع بوابات عبور، ستكون هناك ثلاثة محطات يرتحل إليها الطرفين بدون دعوة أو حتى طلب، بحيث لا يتركانها فارغةً أبداً من أيهما، وهي على التوالي: المرأة، حرية التعبير، وأخيراً الردة.

يجمع موضوع المرأة شمل الطرفين بسهولة شديدة، فيقفان معاً صفاً واحداً في وجه كل ما يخصها، بدأً من مظهرها، واهتماماتها، ومطالبتها بحقوقها ومساواتها بالرجل على أساس المواطنة، إذ تسمع نفس الكلام من الطرفين عن مخاطر تغريب المجتمع وإفساد الأخلاق وجعل الطريق إلى جسدها سهلاً للرجال، ونفس الحلول المقترحة لما يخصها يتردد من الجهتين، كضرورة التزامها بالحجاب والقرار بالبيت وطاعة الزوج، كما أن تعاون الطرفين ومناوبتهما الدائبة في شحذ الجهود المشتركة يكون على أشده في موضوع حرية التعبير، كالكتابة والرسم والتدوين على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تناقش قضية الدين وضرورة تجديده، فهو في نظرهما حقٌ مشبوه يراد به هدم الدين وإحداث الفتن في العالم الإسلامي ولا بأس بالوقوف ضده بكل السبل، أما من يُعتقد بردته عن الإسلام، فهو ما لن يجعل الدواعش يشكون لحظةً واحدة، بأن إخوانهم المعتدلين سوف لن يزعجهم أنهم بادروا إلى قتله قبلهم، بل وقد يعتب المعتدلون على الدواعش أنهم لم يذيقوا المرتد صنوف العذاب قبل قتله، كي يكون عبرةً لمن يفكر في المروق من دين الرحمة، كما حدث مع المدون اليمني عمر محمد باطويل.

وحتى تتضح الحدود والفوارق بين المسلم الداعشي والمسلم المعتدل، سيظل الرعب ينهش كل مفكر حر وكل امرأة تبحث عن الحرية ممن يعيشون بالمنطقة المنكوبة والمسماة اليوم بـ "العالم الإسلامي".

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".