هنا ليبيا - كاريكاتير محمد قجوم

إبراهيم راشد يكتب: كيف انهزمنا.. إدانة المجتمع

سيكون مدخلنا لإدانة المجتمع هو ذات المدخل الذي أدنا من خلاله النظام، وهو التقصير، أو تجاهل، أو عدم الرغبة في خلق التيار العام الذي يتكون عادةً من طبقة وسطى نشطة تتميز عن طبقة المتنفذين (السلطة والمقربون منها) أصحاب المصلحة في النظام، وعن طبقة المبُعدين (المحرومون، البؤساء، وجماعات الغضب والعنف العشوائي) أصحاب المصلحة في إسقاط النظام، أو تخريبه، بأنها صاحبة مصلحة في استمرار الاجتماع، وتحسين حالته، سواء استمر النظام أم تغير. وإذا كنا حصرنا الدور الذي كان من واجب النظام أن يؤديه لخلق هذا التيار في الاهتمام بالتعليم والإعلام وفي دعم الفنون وتوفير البيئة المناسبة للإبداع، وهو الحد الأدنى لما يمكن أن تقدمه السلطة في مجتمع مازال في طور التأسيس، فإن دور المجتمع يبدأ من الرغبة في كل ما سبق ويمتد إلى ما تخلقه المجتمعات الجادة عادة من وسائل ضغطٍ على السلطة لتحقيق هذه الرغبة (هي حاجة وليست رغبة) كالانتظام في النقابات والاتحادات وجماعات الدفاع عن "حق" الأفراد في مقابل "قوة" السلطة، أو جماعات الدفاع عن المهمشين بالإضافة إلى الأحزاب والحركات السياسية المعززة بالنخب المتعلمة والمثقفة من الأكاديميين في الجامعات والمبدعين في كل المجالات.

كل هذا غاب عن ليبيا طيلة اثنتين وأربعين سنة مريرة من الصمت والتفسخ الخفي غير المُلاحظ

إدانة المجتمع ما هي إذن إلا توسيع لإدانة النظام، فنظام الحكم في أي مجتمع هو في النهاية جزء منه، ورداءته مجرد عرَض من أعراض الرداءة في المجتمع، مع تمييز بسيط لكن ضروري وهو أن إدانة النظام تختلف عن إدانة المجتمع من زاويتين الأولى أن تقصير النظام في خلق التيار العام الواعي بحاجاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمُطالِب بها دون كسر الاجتماع، وارتكاب الخيانة، التي ستعني بالضرورة تبدد المجتمع بالكامل هو تقصير في المنح، في منح المواطن حقوقه أما تقصير المجتمع فهو تقصير في الطلب، في طلب الحقوق.

أما الزاوية الثانية لهذا الاختلاف فهي أن حقنا في إدانة النظام قد توقف يوم التاسع عشر من مارس سنة 2011، اليوم الذي بدأ فيه التدخل الأجنبي وشُنت فيه حربٌ قيل أنها قصدت حماية المدنيين في ليبيا، لكنها انزلقت قليلا عن قصدها فأسقطت النظام، ثم انزلقت أكثر فأسقطت الدولة، وفي النهاية أسقطت المدنيين، كشفتهم تماما، ووضعتهم في مواجهة مباشرة مع باقة متنوعة تضم طيفا واسعا من القتلة، بينما إدانة المجتمع مازالت مستمرة إلى يومنا هذا، وستستمر إلى أن تتوقف الهزيمة عن التجذر والانغراس في أعماقه وفي أعماقنا.
وعندما ندين المجتمع (أفترض أن القارئ يعي أننا ندين المجتمع من داخله، ونحن جزء منه، دون أن نرتقي منبرا من منابر التفوق عليه) فإننا ندين بصورة أساسية نخب المجتمع الفكرية والاجتماعية الاقتصادية المدينية والسياسية التي تخاذلت طيلة حكم النظام، ولم تتفاعل مع المحنة، محنة الوقوع تحت حكمٍ ديكتاتوري، وهي محنة كلاسيكية وقعت فيها معظم الشعوب، بل إنني ربما لا أبالغ لو قلت أنها مرحلة وسطى بين مجتمعات ما قبل الدولة ومجتمعات الدولة الحديثة. أخْلت هذه النخب الساحة للنظام وسمحت له بالانفراد التام بالمجال العام، تركته يشكله كما يشاء، بل تركته يعبث به، ويمارس التجريب في أقصى صوره تطرفا .. من غير أن نتجنى على بعض من ناضلوا ودفعوا الثمن رغم أن نضالهم لم يستمر ولم يُحوى (ليُحفظ) في مؤسسات تقابل مؤسسات، أو لا مؤسسات، السلطة .. فمر بلا تأثير على المجتمع. ورغم أننا ندين نخب المجتمع لكننا لا نعفي عموم الناس من الإدانة، فلو قال الناس أننا طيلة عمر النظام لم نجد نخبة نستأنس بها ونناضل معها، بجوارها، أمامها .. ومن خلفها، فإن الرد المباشر سيكون أن النخب لا تأتي إلا من مادة المجتمع، وبالتالي فإن المجتمع الذي يلاحظ انعدام النخب فيه سيسعى عضويا إلى إفراز هذه النخب، فعلاقة المجتمع بنخبه هي علاقة تأثر وإنتاج متبادل، المجتمع ينتج نخبه التي تتصدر طلائع التغيير فيه، وهذه النخب بتفاعلها ونضالها وإبداعها تعيد إنتاج هذا المجتمع ليتناسب مع روح العصر .. وإذا كانت النخب في مجتمع ما ضعيفة فإن انكشاف ضعفها والضيق منه سيحفزه ـ لو كان مجتمعا جادا ـ لإنتاج أجيال جديدة من النخب تعوض هذا الضعف.

أعرف أن مصطلح "النخبة" مصطلح فج كما أن الإيحاءات التي أحاطت به نتيجة تكرار استعماله بطريقة سطحية سهلة كادت تحوله إلى شكل من أشكال التمييز وجعلت كثيرين ـ أنا واحد منهم ـ يبغضونه، إلا أنه دقيق جدا لو قصدنا به الدلالة على المتميزين في كل مهنة من المهن أو فن من الفنون في المجتمع فأفضل الأطباء هم نخبة الأطباء، وأفضل المهندسين هم نخبة المهندسين، وهكذا بالنسبة للمعلمين والتجار والأدباء والممثلين والصحفيين ... وهؤلاء عندما يخرجون من الاهتمام بشؤونهم الخاصة إلى تناول الشأن العام، من منطلق أخلاقي، يعبرون بأنصافٍ عما يمكن أن نعتبره نخبة المجتمع.

مشكلة التاريخ الليبي الحديث، أنه تاريخ مشوه مليء بالأكاذيب، وكل جهة، كل مدينة، وكل قرية وقبيلة بل وكل عائلة لديها رواية تاريخية خاصة أقرب إلى الأسطورة منها إلى التاريخ (عائلتي نفسها تتمسك بأسطورة مجنونة عن الجد المؤسس) وهذا يجعلني أتهيب الدخول في هذا التاريخ ومحاولة الاستفادة منه لكن يمكنني مستندا إلى السمات العامة لتاريخ المجتمع الليبي خلال الأربعين سنة من حكم النظام أن أصف حال النخبة في ليبيا:

بعد الاستقلال وخلال فترة المملكة ومع بدء انتشار التعليم ظهر في البلاد مستوى من التفاعل الواعي للأفكار سمح بظهور بعض مُشكِّلي الهوية (هوية كل مجتمع كامنة فيه لكنها لا تظهر ولا يتعرف الناس عليها فتتحول إلى أطار يحميهم من الذوبان في هويات غريبة لمجرد أن أصحاب هذه الهويات امتلكوا قناةً ناجحة أو ظهر فيهم رجل دين فصيح، إلا بعد أن يحولها مشكلو الهوية إلى رموز ملموسة تغذي وجدان "الشعب") وبدأت تظهر في المجتمع، أو في أوساط المتعلمين على الأقل، التوجهات السياسية والأيديولوجية التي تظهر عادة في المجتمعات الحديثة: اليسار اليمين الليبرالين القوميين .. صحيح انها لم تكن توجهات أصيلة تماما ومحلية، نتجت عن تفلسفٍ في المكان (هنا والآن) لكنها كانت بداية واعدة لتحقيق التدافع في المجتمع على أرضية حديثة بعيدا عن التمترس حول الهويات الطبيعية الجزئية والتي ستحول ـ بعد فبراير ـ الجهات والقبائل وحتى القرى والمدن في ليبيا إلى تجمعات شبه مستقلة شرسة وعدوانية!.

في نهايات سنة 1969 وقعت "ثورة" الفاتح من سبتمبر (ما وقع سنة 1969 لا هو ثورة بالمعنى الدقيق، ولا هو مجرد انقلاب عسكري، هو تعبير عن أقصى ما يمكن أن تقدمه مجتمعات تلك المرحلة للتعبير عن رغبتها في التطور ... وسنكتشف بعد نصف قرن أن تلك المجتمعات ـ رغم فشلها ـ كانت أكثر رغبة في التطور من مجتمعات اليوم)، ولم يمضِ وقت طويل على الثورة حتى بدأت في إحداث تغييرات جذرية قسرية قوبلت ببعض المقاومة من النخب القليلة والضعيفة، إلا أن المقاومة لم تنجح واستطاع النظام الشرس المتشكل حديثا والمتأثر بأساطير الثورات الكونية المهمة (الثورة الفرنسية وثورة أكتوبر الروسية) في جانبها العنيف بالذات أن يقمعها، وسجن الكثير من الشباب من كل التيارات (أو مشاريع التيارات) من اليسار واليمين بل ومن القوميين وسجن الشعراء والكتاب والكثير من المتثقفين.

كان يمكن للمحنة التي مر بها هؤلاء أن تتحول إلى رصيد حقيقي يستغلونه لصالح تجذير نضال الشعب من أجل الحرية أو الديمقراطية أو البروليتاريا أو أي شيء، أعني أنه كان يمكن أن يتحولوا، أن يحولوا أنفسهم، وقد سجن بعضهم مددا طويلة إلى أدوات فعالة لمزيد من التفاعل الواعي في المجتمع، هذا التفاعل الذي سيساعد، وبشكل عملي، في خلق التيار العام (التيار الذي سيحوى في داخله اليسار والوسط واليمين، والأهم أنه سيمنع دخول الناتو!).

لكن هذا لم يحدث، لقد انعزل الخارجون من السجون عن المجتمع بحيث أننا لم نلاحظ أي استغلال من قبلهم لمحنة السجن في اتجاه خلق شرعية أخلاقية، تمكنهم من التحرك داخل المجتمع، وتنظيمه في الأحزاب والحركات السياسية أو جماعات الضغط، ولو بشكل سري، أو غير معلن، وهذا النوع من التنظيم بالذات هو ما سيفعله سجناء جماعات العنف الديني (وهي جماعات هامشية لا يمكن أن تحتل متن المجتمعات الجادة)، أثناء وبعد خروجهم من السجن ما سيمنحهم مستقبلا، انطلاقا من فبراير وما بعدها، فرصة قيادة الناس إلى جهنم!.

لقد تخلى الليبيون عن واجبهم في الاستفادة من الديكتاتورية، باعتبارها مادة عمليه لتعريف، أو للتعرف على الحرية (فالحرية مهما حاول الفلاسفة تعريفها نظريا هي بالأساس تجربة)، فاندمج جزء منهم في منظومتها الاستبدادية وعززها، بينما تورط آخرون في شخصنتها، فحولوا الديكتاتور إلى شيخ قبيلة منافس ينبغي شيطنته في ذاته، غيبوا العداء الموضوعي للديكتاتورية لصالح العداء الشخصي، وبدل أن يتم نقد الديكتاتورية وتُفكك مقولاتها، هوجم شيخ القبيلة وفككت ممتلكاته (الدولة).. أما جموع الناس فلقد انكفأوا واستسلموا تماما ففقد المجتمع القدرة على التعبير عن نفسه، ثم فقد نفسه، وتفسخ كما تتفسخ الجثة المتعفنة

واليوم وعندما نراجع السنوات الست الأخيرة ونرى كل هذا الخراب وكل هذه الخسائر في الأرواح وفي المنشآت وفي البيئة وفي الثروة لا نرى في كل ذلك إلا الدين الذي يسدده المجتمع مضاعفا ودفعة واحدة، بعد أن تقاعس أو تردد في دفعه مفرقا طيلة اثنتين وأربعين سنة!

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".