anp - مشهد من إجدى ضواحي القاهرة الفقيرة - 22 أغسطس 2016

حسن أوريد يكتب: خِرّيج التوك توك ينادي.. الشعبْ يريدِ البناء

استمعت على غرار العديدين إلى صرخة الشاب المصري صاحب التوك التوك الذي أنطقه واقع  الحال لما تعرفه مصر من تردي، ووعيه بمؤهلات بلاده ورصيدها الحضاري، وعجزه أن يفهم، مثلما نحن عاجزون على فهم ما اعترى مصر التي كانت سبّاقة للنهضة، وسابقة على أمم عديدة في أوربا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وكانت إلى غاية المنتصف الأول من القرن العشرين، تفوق تركيا في كل شيء.
 
استمعت للصرخة  وحرّكت في نفسي مواجيد كثيرة، ومنها أن الحراك الذي هز العالم العربي قبل خمس سنوات، لا معنى له إن كان يزيح شخصا ليضع مكانه آخر، وليمرر منظومة قديمة بشكل جديد ومساحيق جديدة، ولا معنى له إن كان يفتح أبواب جهنم للصراعات الطائفية والعرقية.
نحن لم نزد أن نسخنا الماركسية، ثم بعدها ليبرالية أملتها المؤسسات المالية على تقنقراطيينا، وفرضتها كمتن عقدي أو كإنجيل أو كتاب مُنزل.
 
لذلك نظرت إلى تلك الصرخة كصحوة وعي، وكتذكير للحاكمين والمفكرين على السواء أن المعركة الحقيقة لم تبدأ بعد، وهي المعركة المصيرية، وأم المعارك، والغاية التي ما بعدها غاية، كرامة المواطنين، ليس كشعار ولكن بالأساس من خلال الارتقاء بأوضاعهم المادية، وليس من سبيل لذلك إلا بخلق الثروة ثم في حسن توزيعها. ولكن كيف؟
 
لعل ما يحز في النفس هو أن هذا العالم الشاسع لم يفرز نظرية اقتصادية أصيلة، وعاش عالة لأكثر من قرن على فتات نظريات الآخرين، إما من خلال نموذج التخطيط، أو الليبرالية الجديدة، التي هي متوحشة، ولم يعد الغربيون أنفسهم يتورعون من انتقادها، ناهيك عن اقتصاديات الريع. ومن المؤلم أن تجد دولا صغيرة  أفرزت نظريات اقتصادية ثاقبة ولم تتأثر لمواسم الموضات الاقتصادية، كما عند الدول الاسكاندنافية، ومن المؤلم حقا أن تجد بلدا فقيرا مثل البيرو قدّم اقتصاديين لهم نظرة أصيلة  ولم نفعل... نحن لم نزد أن نسخنا الماركسية، ثم بعدها ليبرالية أملتها المؤسسات المالية على تقنقراطيينا، وفرضتها كمتن عقدي أو كإنجيل أو كتاب مُنزل، فيما سمي سابقا بتوافق واشنطن. ومن المحزن حقا أن جامعاتنا لم تنتج نظرية اقتصادية، ولا اقتصاديين لهم رؤية أصيلة، لا فيما يخص خلق الثروة أو توزيعها.
 
ومن الضروري، أن يضطلع النظام التعليمي بتخريج مواطن يندرج في ركاب العصر، ويستطيع أن يرتقي بنفسه، وأن يكون التعليم هو إحدى أهم أدوات الارتقاء. فالتعليم مثلما يقول المربون، هو بمثابة الجناح الذي يتيح للمرء أن يُحلّق في الآفاق. والتعليم  في العالم العربي عبء أكثر منه  استثمارا في الإنسان أو وسيلة لتحقيق ذاته، ولم يعد وسيلة للارتقاء الاجتماعي. ومن معايير جودة التعليم، أن يكون قادرا على تخريج نخبته. ويرى الرائي أن نخبنا موزعة بين فئة تكونت في الجامعات الغربية، منفصلة عن واقعها، تنظر إليه بازدراء، ولم يَحُدَّ من غُلوائها إلا رياح الربيع الديمقراطي، ثم فئة من غالبية المجتمع، أومن الغلبانين كما يقول إخوتنا في مصر، تلقوا تعليما مرتبطا ثقافيا بالمنظومة القيمية لمجتمعاتهم، ولكنه لا يفيد في منادح الحياة، أو حالت عوائق اجتماعية رغم  كدهم وكدحهم للارتقاء، وتولد عندهم شعور من الإحباط وأحيانا الحقد. ولا فائدة من تعليم لا ينتج صفوة المجتمع، ولا فائدة من نخبة تنظر إلى مجتمعاتها نظرة ازدراء واحتقار، ولا فائدة منها كذلك، إن كان يحركها الحقد ويستثيرها الثأر.
 
وبيت القصيد، هو أننا من دون نخبة، أو بتعبير الأكاديمي الأردني  مروان معشر، اليقظة العربية الأولى كانت شأن نخبة من دون جماهير، واليقظة العربية الثانية، إن كان يصح أن نسميها كذلك، فهي شأن جماهير من دون نخبة. لقد صدق الشاعر الجاهلي  إذ يقول :
                          لا يصلح الناس فوضى لا سَراة لهم *** ولا سراة إذا جُهّالهم سادوا
 
وكثير من سراتنا (نخبتنا) جاهلون في الغالب، والسراة هم من يهدون القافلة في الليل البهيم، وهل يهديها معالم الطريق من لا يحسن قراءة النجوم؟
 
من الضروري أن نحتفي بشاب التوك توك كاحتفائنا بالبوعزيزي أو أشدّ لأنه يثير فينا الحَميّة لا الغضب، ويربطنا بالحياة لا بالموت، ويستثير الوعي لا الحقد، ويستشهد بالتاريخ لا بالأساطير، فنجعلَه معبرا عن فترة جديدة، فترة ننادي فيها بالبناء لا بالهدم أو الإسقاط أو الثأر.
 
ومن الطريف أن ما أشار له فتى توك توك من ضرورة الاعتناء بالتعليم والاقتصاد هو قوام نظرة العالم الفرنسي سان سيمون، ومن المعلوم أن كثيرا من "السانسيمونيين" جعلوا مصر دار قرارهم وأسهموا في نهضتها، ومنهم من أسلم وعاش بأرض الكنانة وتزوج منها ومات بها، مثل سليمان باشا، منشيء الجيش المصري.. فكأن الفتى يرد الديّن، بعد قرنين، ويُذكّر أن نظرية سان ساسيمون وتلامذته الذين ركزوا على دور العلماء ما تزال صائبة، وقد تفيدنا في هذه الفترة التي ينبغي أن نصدح فيها بالنداء: الشعب يريد البناء.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".