anp - ملصق لعبة Assassin’s Creed وأحد شخوصها في شارع بكاليفورنيا الأمريكية - 2015

وائل عباس يكتب: قلعة الحشاشين

الكثير منكم يلعب لعبة الفيديو جيم الشهيرة Assassin’s Creed منذ عدة سنوات الآن، بل إن هوليود أنتجت فيلما مقتبسا عن اللعبة تم تصويره بالفعل والانتهاء منه في يناير الماضي ومقرر له العرض في دور السينما يوم 21 ديسمبر القادم، سيكون أبطاله مايكل فاسبندر وماريون كوتيارد. طبعا الفيلم خيالي تماما كما هي اللعبة، لكن للقصة أصول حقيقية ذات علاقة بالإسلام وبمصر، وجدت أنه يلزم علينا أن نعرفها خشية أن يسرق الغرب تاريخنا ويتلاعب به ويحوله إلى مجرد خرافة ولعبة الكترونية للمراهقين.
 
الطريقة النزارية هي ثاني أكبر طريقة في المذهب الشيعي بعد الإثنا عشرية، وهي فرع من الاسماعيلية التي انقسمت عن الإثناعشرية بسبب الخلاف على إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وأسست الدولة الفاطمية التي بنت مدينة القاهرة. يعتنق النزارية ما يقرب من 25 مليون مسلم على الكوكب ينتشرون ما بين 25 دولة، وتقوم النزارية على استخدام العقل والاجتهاد بجانب استخدام النصوص، كما تقوم على الاحتواء للمختلفين وعلى العدالة الاجتماعية. ينتمي اليهم رابع أغنى أغنياء الهند عظيم برمجي، وعائلة منصور لالجي واحدة من أغنى عائلات كندا.
 
ونزار هو ابن الخليفة الفاطمي في مصر وقتذاك المستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر، وأعلن المستنصر أن نزار هو وريثه والخليفة القادم. إلا أن الوزير القوي الأرمني الأصل الأفضل شاهنشاه، وهو بالمناسبة ابن بدر الدين الجمالي الوزير الفاطمي الشهير الذي سميت على اسمه الجمالية. قام شاهنشاه بما يسمى بانقلاب عسكري داخل القصر لأنه كان أيضا قائد الجيوش، وأعلن المستعلي خليفة للمسلمين وأجبر القضاة بقوة الجيش على الاعتراف به، فهرب نزار إلى الاسكندرية وأعلن خلافته هناك وسك لنفسه عملة باسمه، فحاربه شاهنشاه وأسره وأعدمه. وفي روايات أخرى سجنه في الاسكندرية حتى مات. وهنا كان انقسام الشيعة الإسماعيلية إلى "نزاريون" و"مستعليون" حتى يومنا هذا.
 
كان لنزار ابن اسمه الهادي، هربه أتباعه بأمان من الإسكندرية إلى قلعة الاموت، وكلمة الاموت تعني عش النسر بالفارسية، وتقع في جبال البرز شمال إيران وعلى ساحل بحر قزوين. وكانت قلعة الاموت تقع تحت حكم حسن الصباح أو حسن بن على بن محمد الصباح الحميري والمسمى بشيخ الجبل، وحسن الصباح اعتنق المذهب الفاطمي في سن السابعة عشر ثم سافر الى أصفهان وألبانيا ثم مصر حيث صقل تعليمه هناك لمدة ثلاث سنوات، وحبسه شاهنشاه لفترة في مصر لتأييده لخلافة نزار، لكن مئذنة السجن انهارت فاعتبر شاهنشاه أن حبس هذا الرجل نذير شؤم وأطلق سراحه.
 
ترك حسن الصباح مصر وعاد إلى بلاد فارس التي كانت ترزح تحت حكم أمراء الدولة السلجوقية وهم من المسلمين السنة، الذين نهبوا أراضي السكان الأصليين من المزارعين وحولوها إلى اقطاعيات لهم، وبحث عن مكان ينشر منه دعوته، الإسماعيلية النزارية المشرقية أو الباطنية، خصوصا وأن الوزير السلجوقي نظام الملك أصدر أمرا بالقبض عليه، فعثر على قلعة الاموت أو ألوه أموخت، عش النسر، وهي قلعة بناها ملك فارسي يدعى فاه سودان بن مرزبان من آل جستان، وكانوا من أتباع زرادشت ثم أسلموا، بعد ان رأى نسره يحط ويعشش فوق القمة التي بنيت عليها القلعة. وللقلعة موقع استراتيجي إذ ترتفع 2000 متر فوق سطح البحر ومحصنة طبيعية بارتفاعها ومنحدراتها والصخور المحيطة بها، وتشرف على وادٍ مساحته 50 كم طولا و50 كم عرضا، واستطاع الاستيلاء عليها بمعاونة الفلاحين الشيعة هناك، وظلت صامدة في يد النزاريين حتى دمرها المغول وحرقوا مكتبتها، وبالتالي جزء هاما من تاريخ الحشاشين الغامض.
 
كان لحسن الصباح عدد كبير من الأتباع تكونوا على مر السنين، استطاع جعلهم يتسللون للعمل داخل القلعة وفي القرية المجاورة لها قرية جازورخان، ويجمعون المزيد من الفلاحين لمذهبه، بينما عاش هو متنكرا في هيئة مدرس اسمه ديه خودا، حتى استطاع الصباح تجنيد كل من في القلعة، ولم يكن يخطط للاستيلاء على القلعة بالقوة العسكرية، فقد فشلت كل المحاولات قبله، لذا استخدم هذه الطريقة الجديدة التي استغرق تنفيذها عامين، وذات يوم كشف عن هويته لحاكم القلعة الذي بدوره أمر جنوده بالقبض عليه، فقط ليكتشف أن كل جنود القلعة يعملون لصالح الصباح، وسمح له الصباح بترك القلعة دون أن يقتله ثم استولى عليها وخلصها من سيطرة السلاجقة.
 
كان الصباح بارعا في الفقه السني والشيعي على حد سواء إلى جانب علمه بالرياضيات والفلك والهندسة والطب والكيمياء، ويقال إنه ظل في تلك القلعة 35 عاما حتى وفاته، ينشر منها الدعوة الى مذهبه الذي أسسه، وتكونت دولته من مجموعة من القلاع الحصينة بلغت أكثر من 20 قلعة منتشرة عبر بلاد يحكمها السلاجقة السنة من بحر قزوين عبر إيران إلى سوريا وجبال لبنان.
 
بوصول الهادي بن نزار إلى القلعة هاربا من مصر تم إعلانه إماما، وكان الهادي طبعا تحت سيطرة الصباح تماما واستطاع استغلاله ليكون الشخصية المركزية في نظامه الديني الذي يحتاج إلى الإمامة، وأعلن أن نزار لم يمت ولكن اختفى وأصبح الإمام المستتر ليعود آخر الدهر في هيئة المهدي المنتظر، وأصبح الهادي ابنه إمام الوقت الذي يحمل نور الله بداخله، وبالتالي يجب على أتباعه الطاعة العمياء له حتى لو أمرهم بقتل أنفسهم. وكان أتباعه يتم تدريبهم على العمل الفدائي، وكانوا يسمون الفدائيين، ويتلقون تدريبات مشابهة لتدريبات النينجا في اليابان ليقوموا بأعمال الاغتيال والتخريب والتجسس وأعمال انتحارية أيضا، بعض فيديوهات لعبة Assassin’s Creed تظهر فيها قلعة الاموت وشيخ الجبل يأمر أتباعه بأن يقفزوا إلى حتفهم ليثبت لفرسان المعبد الصليبيين أنهم لا يخافون.
 
شوية إتيمولوجي بقى أصل أنا باحبه: من اين جاءت كلمة "الحشاشون"؟ لم يثبت أي مؤرخ مطلقا تعاطي الصباح وأتباعه للحشيش أو استخدامه للحشيش في السيطرة على أتباعه، لكن بعض الكتابات التي صمدت من قلعة الاموت بينت أن الصباح كان يسمي أتباعه "الأساسيون"، وتحورت الكلمة عند الغزاة الصليبيين والرحالة الغربيين خصوصا ماركو بولو الذي زعم أنه زار القلعة إلى "أساسيني" بالإيطالية ثم "أساسان" بالفرنسية و"أساساين" بالإنجليزية. لكن في القرن التاسع عشر ربط المستشرق الفرنسي أنطوان إيزاك سيلفستر دي ساسي بين كلمتي "أساسان" الفرنسية وكلمة "حشاش" العربية، ربما متأثرا بكتابات المؤرخ أبي شامة المقدسي في القرن الثالث عشر أول من وصف النزاريين بالحشاشين، كما ثبت أن الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله أبو علي منصور بن أحمد وهو ابن الخليفة المستعلي استخدم لفظ الحشيشيين في وصف أتباع عمه نزار في سوريا، وقصد به أنهم هامشيون لا قيمة لهم مثل حشائش الأرض ولم يقصد أنهم يتعاطون الحشيش بالمرة، فالتقطها منه المؤرخون المعادون للمذهب الإسماعيلي سواء من الإثنا عشرية أو من المسلمين السنة، بل وحتى الصليبيين الذين قام الحشاشون بعمليات فدائية ضدهم، حتى استقرت الكلمة في أوروبا لتعني اي فصيل متطرف يقوم بالاغتيالات.
 
على الرغم من عداوة النزاريين للدولة العباسية والفاطمية والأيوبية والسلاجقة والخوارزميين والزنكيين والصليبيين والمغول، إلا أن دولتهم استمرت حوالي قرنين من الزمان، واستطاعوا اغتيال الخليفة العباسي المسترشد والخليفة العباسي الراشد وكونراد المونفيراتي، ملك بيت المقدس الصليبي الثالث عشر، والوزير السلجوقي نظام الملك، وحاولوا اغتيال صلاح الدين الأيوبي نفسه أكثر من مرة. كما قتلوا فخر الملك أبو المظفر بن نظام الملك وكان وقتها زيرا للسلطان سنجر، وتوالى على النزاريين سبعة حكام كان آخرهم ركن الدين خورشاه بن علاء الدين.
 
أرسل هولاكو جيشا بقيادة بوكيان التتري لحصار قلعة الاموت، واستمر الحصار ستة أشهر حتى نفدت مؤونة النزاريين، ففتحوا الأبواب واشتبكوا مع التتار فقتلوا منهم 30 ألفا ومات من صفوفهم 12 ألفا، واستولى المغول على القلعة وساووها بالأرض وأسروا الإمام ركن الدين خورشاه، ومات في الأسر في الطريق إلى بغداد قبل عبور نهر جيحون، وأعدموا بقية أسرته ومثلوا بجثثهم، وانتقل سكان المنطقة النزاريون إلى أذربيجان.
 
ومن أخطر شخصيات النزارية كان رشيد الدين سنان شيخ الجبل، وكان يحكم قلعة مصيف في سوريا، ويزعم البعض أنه كانت له قدرات خارقة وسحرية، وهو المسئول عن قتل كونراد ملك أورشليم الصليبي، تعلم على يد كيا محمد في قلعة الاموت ثم استقر في سوريا وعملا مستقلا عن مركزيتهم في قراراته، حاول قتل صلاح الدين أكثر من مرة وقتل عددا من أمراء صلاح الدين مثل الأمير أبو قبيس وجرح صلاح الدين في ثاني محاولة، وذلك بسبب أن صلاح الدين أثناء حملته إلى حلب قتل سكان سارمين ومعرة ماسرين وهم من الشيعة الإسماعيلية إلى جانب قضائه على الدولة الفاطمية في مصر وعدائه للشيعة ومحاولاته إبادتهم في كل مكان.
 
وفي المرة الثالثة ضرب صلاح الدين حصارا حول قلعة مصيف حيث يوجد سنان، لكنه مالبث أن فك الحصار بعد أن أصابه الرعب من أفعال سنان العجيبة، فتارة يترك له رسالة بخنجر مسموم بجانب فراشه بنفسه حتى أن صلاح الدين رآه، وتارة يكتشف صلاح الدين أن أقرب مماليكه وحرسه الشخصيين يعملون لصالح سنان وكادا أن يفتكا به لولا تدخل رسول من سنان جاء له برسالة وأخذهما معه، وإحدى رسائل سنان الجريئة لصلاح الدين كانت تقول: "والله إنه لشيء يدعو إلى الدهشة أن نجد ذبابة تطن في أذن فيل وبعوضة تلدغ تمثالا، كثيرون قبلك قالوا مثل هذه الأشياء ودمرناهم دون أن يشفع لهم شفيع"، ويروي بعض حراس صلاح الدين أنهم كانوا يرون شرارة من نار تنزل الجبل من قلعة مصيف وتختفي في معسكر صلاح الدين وبعدها يجدون الرسالة في خيمة صلاح الدين، ومات سنان على فراشه ميتة طبيعية ولم يمسسه صلاح الدين بسوء وما زال الغموض يكتنف علاقة سنان بكل من صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد الذي يقال إن سنان تحالف معه لفترة ضد كونراد ملك اورشليم.
 
وعلى عكس نهاية الطائفة الدرامية في قلعة الاموت، فقد كانت نهايتهم في الشام بالتدريج بعد ضعفهم بسقوط الاموت، ثم بخضوعهم للظاهر بيبرس في مصر ودفعهم الجزية له، حتى أن بيبرس كان يخلع ويولي شيوخهم بنفسه، ثم استولى بيبرس على قلعة مصيف ثم العليقة والرصافة والخوابي ثم باقي القلاع لتنتهي أسطورة دامت ما يزيد عن 200 عام.
 
تزخر كتب التاريخ والأدب بالقصص الحقيقية والخرافية عن الطائفة، بداية من الرحالة ماركو بولو مرورا بأمين معلوف الذي أزعم أن روايته سمرقند محض خيال قصصي، وصولا إلى لعبة Assassin’s Creed الالكترونية الخيالية التي تزعم أن الحشاشين هم من نسل سلالات خارقة عاشت على كوكب الأرض قبل ظهور الإنسان. واللعبة أخذت إلهامها من رواية الاموت للكاتب السلوفيني فلاديمير بارتول التي صدرت عام 1938، وكان الكاتب يهدف منها الى نقد فاشية موسوليني واضطهاد الأقلية السلوفينية في إيطاليا في ذلك الوقت، ومن الأحداث التي ألهمت الرواية اغتيال الكسندر الأول ملك يوغوسلافيا على يد راديكاليين كروات وبلغار.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".