وفاء البوعيسي تكتب: الصراع على السلطة وأثره في تكوّن عقائد المسلمين

عقائد المسلمين هي منتوج بشري محض لم يبين القرآن ماهيتها ولا حتى تكلم عنها. إنها في الحقيقة مبحثٌ عقلي إنساني تطور ببطءٍ بعد موت النبي، وبمناسبة الخلاف حول خليفته بعد موته وطبيعة منصب الخلافة، فهل هو إلهي لضمان استمرار تطبيق الإسلام أم اتفاقي تقرره الأمة بناءً على مبدأ الشورى؟ وقد كان لهذه المسألة دورها المهم في إطلاق التفكير العقلي والفلسفي لدى المسلمين، والقاعدة التي ستنطلق منها كل الفرق الإسلامية لاحقاً في تحديدها قواعد الدين.

"عقيدة السُنة القائلة بـ"الإيمان بالقَدر" كانت نكايةً في الشيعة لا أكثر، وعقيدة الشيعة في الإمامة غير مبرهنٍ عليها يقيناً في القرآن والحديث، أي أن عقائد قرابة مليار ونصف مسلم اليوم، ليست مسألةً لاهوتيةً مستقلةً كما يزعم الفقهاء، بل مسألةً عقليةً أنتجها التدافع السياسي للفرق الإسلامية في صراعها المرير على السلطة، وقد فصّلت كل فرقةٍ عقائدها الخاصة وفق رؤاها واحتياجاتها وليس وفق القرآن، وكل فرقة طالبت المسلمين بالإيمان بعقائدها وإلا فإنهم ليسوا من الإسلام."

لقد تطلّب هذا المبحث قروناً حتى أدركه النضج، فالعقائد ما كان لها أن تكون على الشكل الذي نعرفه اليوم، ما لم تتصاعد وتيرة الخلاف الدموي بين المسلمين على قضية الخلافة بالذات، ما دفع بشيعة علي إلى إنزالها منزلة العقيدة، الأمر الذي حدى بالسُنة (الأمويين) إلى أن ينتجوا عقائدهم بالمخالفة لخصومهم التاريخيين. وتُعرّف العقائد بأنها كل ما يجب على المسلم الإيمان به، ولا يُعذر مسلمٌ بجهله بها، وعقائد الشيعة هي التوحيد والنبوة والمعاد والعدل والإمامة، بينما عقائد السُنة هي التوحيد والنبوة والمعاد والإيمان بالقَدر. تبنّى السُنة الإيمان بالقَدر كعقيدة، وتعني عندهم أن كل ما يقع للإنسانٍ من حوادث قد سبقت في علم الله الأزلي، والعبد مأمورٌ بالقبول بهذه الحوادث خيرها وشرها، وقد روّج الخلفاء الأمويون لهذا المبدأ، لتثبيت سلطانهم والحيلولة دون الثورة عليهم، واحتجوا بآياتٍ قرآنية وأحاديث نبوية تستوجب طاعة ولي الأمر، وعدم جواز الخروج عليه ولو ظلم أو فسق، في حين اعتبر شيعة علي أن السلطة هي أمرٌ إلهي لا خيار للأمة فيه، وأن الله قد اختار علياً وأولاده لخلافة النبي، وأنه يتوجب على المسلمين الثورة على من يتولاها من غير آل البيت.

نتجت عقائد الشيعة عن ظروف الاضطهاد التاريخية التي مروا بها على مدى أجيال من قِبل الأمويين، وقد ثاروا عليهم عدة مرات، لأنهم قلبوا الحكم إلى ملكٍ متوارثٍ بينهم، وقطعوا بهذا حق أهل البيت في الحكم إلى الأبد، لكنهم جوبهوا بالعنف والمذابح والتنكيل، ومن ضمن الثائرين عليهم كان سِبط النبي الذي قُتل ونُكِّل به بوحشية، وأُسِر أبناؤه وبناته وبقية أهله، ما أعطى قتله زخماً قوياً لمظلوميتهم لقرون طويلة استمرت حتى اليوم. وكما ساهمت "الإمامة" في تشكيل عقائد الشيعة على نحوٍ يخالف عقائد السنة، فإن حُكم مرتكب الكبيرة بوصفه كافراً أم مؤمناً، هي التي لوّنت عقائد الخوارج ومايزتها عن غيرهم، فالخوارج يحكمون بكفر علي بن أبي طالب واستباحة دمه لأنه قبِل بالتحكيم في معركة صفين، في حين يخالفهم السنة والشيعة في ذلك.

خلاصة القول، إن عقيدة السُنة في القَدر كانت نكايةً في الشيعة لا أكثر، وعقيدة الشيعة في الإمامة غير مبرهنٍ عليها يقيناً في القرآن والحديث، أي أن عقائد قرابة مليار ونصف مسلم اليوم، ليست مسألةً لاهوتيةً مستقلةً كما يزعم الفقهاء، بل مسألةً عقليةً أنتجها التدافع السياسي للفرق الإسلامية في صراعها المرير على السلطة، وقد فصّلت كل فرقةٍ عقائدها الخاصة وفق رؤاها واحتياجاتها وليس وفق القرآن، وكل فرقة طالبت المسلمين بالإيمان بعقائدها وإلا فإنهم ليسوا من الإسلام.