صلاح علي إنقاب يكتب: في ضرورة إحياء فكر المعتزلة

"المعتزلة" إسلامٌ لا يؤمن بالخرافة، ولا يخترع قوانين فقهيّة أصلاً، فهذه القوانين مثل التي تقول بأن "المرأة التي يختفي زوجها عليها أن تنتظر 120 عاماً كي تتزوج برجلٍ آخر" تنتمي لإسلام آخر حسب المذهب الحنفي، وهو أيضاً إسلام. ولكن إسلام المعتزلة يجيز إمامة المرأة وتوليها الحكم، حيث أن "المرأة أكثر عدلاً من الرجل في شهادتها" كما يقول الجاحظ (776 - 868 م)، بل أن "المعتزلة" يؤسسون لقواعد معرفيّة لخطاب ذي سمات عقلية محض، حيث أنكر المعتزلة حدوث المعجزات والكرامات، وعذاب القبر بل وحتى عودة المسيح، وذلك في سبيل التحرير من التقليد والتبعيّة واللاعقلانيّة وهي فكرةٌ مركزيّةٌ تؤسس لتحرير الإسلام نفسه بل الدين ككل والإنسان تبعاً لذلك من أي سلطةٍ، ابتداء بسلطة النصوص وصولاً الى سلطة أصحاب النصوص ورُهبانه، الذين جعلوا القرآن نصّاً مقيداً بتفاسير لها ظروفها الموضوعيّة الغائبة مع امتداد الزمان والمكان، لانقطاع الصلة بين زمان التفسير وواقع المفسّر من جهة، وبين الاجتماع الإنساني المعاصر من جهةٍ أخرى، وهذه هي حقيقة الخلاف بين جماعة العقل وجماعة النقل في الفكر الإسلامي.

"يكمن الحل في إعادة إحياء فكر المعتزلة، لا فكر النصوص المعتزلية، بل فكرة المعتزلة الرئيسية التي تقول بأن كل مسلم هو في حد ذاته إسلامٌ محدود به، ينطلق منه عبره وإليه، خلال مداركه وعند حدود طاقاته حيث "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا" (البقرة 286)"
 

هنالك دوماً تفسير آخر للنص عند المعتزلة، وهذه حقيقة تتجاهلها دائرة الفقه نفسها، فرغم تفرّع التفاسير وتشعّبها لتنتج مدارس منشأها عقل المفسّر نفسه، الذي أغلق الباب ورائه ليكون نهاية عصر التفسير إعلاناً لنهاية العقل نفسه، فتفسير النّص بل وحتّى النّص ذاته في أحايين كثيرة لا يساوي المقصد، لأن الفهم مرتبطٌ دوماً بالمسار الذي اتّخذه المفسّر للوصول للغائيّة الغائبة عند من أوجد النّص بالدرجة الأولى. وتفسير النصّ مقيّدٌ بـ:

  1. اللغة باعتبار أن لغة النصّ عبارةٌ عن وسيطٍ بين النص والقارئ
  2. الموضوع كون النص هو موضوعٌ بحد ذاته
  3. علاقة النص بالواقع، وفق فكرة كون النص الديني هو نص موجّه للأحياء يلامس واقعهم
  4. الأهواء والنوازع التي تحرّك الباحث عن معنى النص، فلكل تفسيرٍ جانبٌ موضوعيٌّ، وجانبٌ غير موضوعيٍّ ذاتيٌّ
  5. التراكم المعرفي الذي يحويه النص من الداخل، حيث يبقى مفتاح قراءة النص داخله، بمعنى أن الغائيّة متّصلةً داخل النّص نفسه.

لكن يبقى السؤال الأهم، ونحن نمر بمرحلةٍ خطيرةٍ من تاريخ الكوكب، هو "هل ماتت المعتزلة ومات فكرهم؟!" وإذا لم يكونوا قد ماتوا بعد، أين نجدهم اليوم؟ وهل يمكن تتبع نمطهم الفكري في كتب نصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، والصادق النيهوم، ومحمد شحرور، ومصطفى كمال المهدوي، ومحمد الجابري، وعبد الله العروي وآخرين؟ وهل يمكن اعتبار هؤلاء جميعهم أقلام اتجهت نحو نقد العقل السلفي ومحاولة فتح أبواب أخرى للفرار بالدين نحو إجابات أخرى أكثر صواباً من إجابات القتل والذبح والحرق والإرغام على إعلان الإيمان وإبطان الكفر؟!

سأحدثكم عن المعتزلة وأنا أحدهم كي لا يكون إسلام المعتزلة فكرة ذهبت بعيداً رفقة التاريخ، ودعوني أخبركم أن القرآن لم يقرأه أحد منذ سنوات، والدليل الدامغ على ما أقوله هو أنه لم تخرج سلطة تدعم القول بأن تراث تفسير القرآن فارق القرآن نحو بديهيات راسخة في عقول المفسرين أنفسهم لا علاقة لها به، مقدار علاقتها بالظروف والمناخ المصاحب في لحظة التفسير نفسها ليكون مجرد وجهة نظر، ليخرج لنا تفسير آخر للقرآن أو فلنقل قراءة أخرى تقول بأن قريش في آيه "لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ" (قريش 1) ليست قبيلة بل هم الحجاج؛: وآية "وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون" (الشعراء 224) ليسوا من يقولون الشعر، بل هم المنجمون أصحاب "الشِّعْرَى" (النجم 49)؛ وآية "مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ" (النساء 3) لا تقصد السبايا بل هن الزوجات ممن لا عائل لهن؛ و"الْكَوْثَرَ" (الكوثر 1) ليست بئر ماء في الجنّة، بل هو القرآن؛ و"حُورٍ عِينٍ" (الدخان 54) هن لسن عذراواتٍ هديةَ للذكور في الجنة، بل أجساد أهل الجنة أنفسهم؛ وآية "لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ" (الجمعة 9) توصي بالزكاة في يوم الجمعة؛ وأمّا "الْمُصَلِّينَ" (المدثر 43) هم ليسوا من يقيمون الصلاة بل من لا "يَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ" (الماعون 7)؛ والصلاة على الرسول ليست سوى عقد الصلاة وقراءة القرآن نفسه؛ وفي نهاية المطاف فإن القرآن ليس أداة في يد أحد يرغم بها الآخرين على فهمها بنفس الطريقة، لأن هذا سيلغي القرآن نفسه، والعقل، والإنسان أيضاً، والحل ليس سوى إعادة إحياء فكر المعتزلة، لا فكر النصوص المعتزلية، بل فكرة المعتزلة الرئيسية التي تقول بأن كل مسلم هو في حد ذاته إسلامٌ محدود به، ينطلق منه عبره وإليه، خلال مداركه وعند حدود طاقاته حيث "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا" (البقرة 286).

*مقالات ذات صلة:

صلاح علي إنقاب يكتب: وهل تعرفون إسلام المعتزلة؟!