مايسة سلامة الناجي تكتب: تحليل عقلية المصوتين على بنكيران

في المغرب، نجد عقليتين غريبتين سائدتين، الأولى سأسميها "دين المخزن"، والثانية سأسميها "دين الشعب".

"دين المخزن"، مسلمون بالفطرة صوفيو الهوى تقدميو السلوك. مسلمون لأنهم ولدوا كذلك ولا يهم، إسلام الطقوس والجلابة والند وكعب غزال مفند في الأعياد والمناسبات، والحمدي الله على أرباح الاستثمارات، والرقية والورد من العين والحسد، والقبول والجلب لأسهم البرصات، وقمة الخشوع الذي يأتي بسماع الملحون والصلاة على النبي مع الفاكية والكركاع، وقمة الإيمان حين يصعد النبيذ المعتق إلى الدماغ ويبكي عاشق الرحمن في حضن الخليلة ويطلب الغفران، وللزوجة المساواة الكاملة في حدود أن لهم البزنيس ولنسائهم الجمعيات، هم رجال الأعمال ونساؤهم الحقوقيات، هم المهربون وأسماء زوجاتهم على الحسابات.. بسم الله افتحوا الحانات واملؤوا المهرجانات الله يجيب القبول، أحضروا لأصدقاء المغرب الأرنبات وما يدوم غير المعقول، الله يبارك ويبعد الإسلاميين من المكان..

المخزن قبل بالإسلاميين في وقت كانت تهب رياح أمريكية على المنطقة، وككل القادة الذي يحسون بكراسيهم تهتز من تحتهم يعودون إلى الله، كما فعل صدام حين أحس بالمكر الأمريكي، هو البعثي الذي أعدم التقدميين كما أعدم الإخوان فجأة كتب الشهادة بدمه على علم العراق وجمع حوله شبابا مدافعين عن دين الله وتحول إلى قيادي إسلامي يحارب الأمريكان الكفرة. كذلك كان إخوان المغرب "العدالة والتنمية" في قاعة الانتظار وكانت الفرصة مواتية كي يسحلهم المخزن نحو الحكومة والبرلمان ويضمن شعبيتهم التي بنوها باسم الله أنها منقذته من مخطط "الربيع العربي"، وكذلك كان. فالحاكم دائما ينقذ نفسه حين يتبنى دين الشعب.

"دين الشعب" هو دين مجتمع من المسلمين قناعة، المنحلين بالفطرة والرضاعة، لكنهم أجمعوا على ممارسة انحلالهم في السر لا نفاقا إنما سترة عسى الله أن يعفو عنهم. يحبون ويثقون في من يدعي الدفاع عن دين الله ضد العصاة الفجرة، ويكرهون كره العمى من يجاهر بالمعصية أو يدعوهم إلى المجاهرة. في تلك السرية والازدواجية بالنسبة لهم يكمن الخوف، يكمن الإيمان. وسيصوتون دائما وأبدا على من يلبس رداء العفة. وبالتالي في المغرب هي ليست حرب إسلام ضد علمانية أو تقدمية، نعم أغلبنا مسلمون حاكما ومحكومين، نعم أغلبنا عصاة، ولكنها حرب بين الستر والمجاهرة.

هناك فئة من الشعب استطاع بنكيران إقناعها للمرة الثانية، بأنه يحارب الفجرة الذين يريدون فضح معاصيهم وتقنينها وتوثيقها وتشريعها في الدستور والمدونات.. فصوتوا له ليستتروا من مجاهرة المخزن. والحقيقة أن بنكيران غشهم. فبرلمانيو العدالة والتنمية وقعوا على بروتوكول سيداو حين أُمروا بذلك، وقننوا الإجهاض بشروط معدودة حين أوحي لهم، وسيقننون الحشيش إن طولبوا به، وسيقننون الدعارة إن غمزت بها كريستيان لاكارد. وما بينهم وبين الإسلام غير تعليمات الديوان وتوصيات صندوق النقد الدولي وبنود معاهدات الاتفاقيات الحرة مع أمريكا والاتحاد الأوروبي.

ورغم أنهم خدموا المخزن كما طُلب منهم في ولايتهم الأولى غير أن وقتهم المخزني انتهى، حين هدأت رياح الربيع العربي واستقر الكرسي، وحاول المخزن بما يملك من وسائل إنهاء مهمتهم وإعادتهم إلى رف المعارضة، بمنابر إلياس العماري الإعلامية وبيت الحكمة وحركة ضمير ومناورات البام، بمسيرات ضد أخونة الدولة وتضييقات الداخلية وفضائح جنسية للعدالة والتنمية زادت توكيدا على حب المخزن للفضيحة، وڤيديوهات غبية نشرت في الدقيقة التسعين من المباراة تحاول تغيير عقلية قرون في آخر ساعة وإقناع الشباب بثقافة السورف والطانچة والجوان والراسطة والمصاحبة وأنا حرة.. دون جودى.

لم يفطن المخزن إلى أن هناك فئة مقاطعين للعبة برمتها، وفئة من المقتنعين بأنها حرب مجاهرين فاضحي الأعراض على المغاربة المساكن المستورين، وأن حزبا يرفع اسم الدين والدفاع عن الأعراض لن يغلبه إلا حزب آخر يرفع اسم الدين، كان ليسميه المخزن حزب "الستر والتغطية"،  بأمين عام شبيه بعبد الإله بنكيران يسمونه "عبد ربه الولهان"، يبكي أيضا وينوح باسم الله ويقسم أن التحكم يحاربه لينشر الفسق والرذيلة، وأنه هو المسلم الحقيقي والباقي تقليد، وأنه هو المصلح الحقيقي والباقي عملاء التحكم، ، وأنه لا يتحدث اللغات إلا قليلا ولا يستطيع أن يبدو بالبذلة جميلا فهو كباقي الشعب جسمه لا يليق إلا بالقشابة ولسانه لا يليق إلا بالشعبوية.. كان المخزن لينفق عليه ما أنفق على الأصالة والمعاصرة وكان ليفوز بثلثي مقاعد البرلمان.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".