anp - أنصار "العدالة والتنمية" في تجمع انتخابي في سلا المغربية - 6 أكتوبر 2016

علي أنوزلا يكتب: غياب التعددية الحزبية الإسلامية في المغرب

من بين العديد من الأسباب التي يوردها الباحثون والمتتبعون للشأن السياسي المغربي، لتفسير تصدر حزب "العدالة والتنمية"، نتائج الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب يوم 7 أكتوبر، واحتل فيها المرتبة الأولى، مما أهله "دستوريا" لتشكيل الحكومة المقبلة، وغالبا ما يتناسون معطى أساسيا، ألا وهو أن "العدالة والتنمية" يبقى الحزب الإسلامي الوحيد المعترف بع في المغرب، وهو ما يجعله يحتكر أصوات الإسلاميين والمتعاطفين معهم ممن لا يمانعون أو على الأقل لا يضعون شروطا للمشاركة في اللعبة السياسية.
 
صحيح أنه يوجد في المغرب حزب آخر صغير يصف نفسه بـ "الإسلامي" هو حزب "الفضيلة"، أسسه شخص انشق عن "العدالة والتنمية"، لكنه حزب ولد ميتا، لأن صاحبه لم يأت من حراك العمل الإسلامي الذي بدأ نشاطه في المغرب داخل الجمعيات الدعوية، وإنما فرض نفسه كصديق للمؤسس الرسمي لحزب "العدالة والتنمية"، وهو الآخر لم يكن "إسلاميا" بالمعنى الحركي للكلمة اليوم، وإنما كان مقربا من القصر في المغرب.
 
وفي نهاية تسعينات القرن الماضي، أقدمت السلطات المغربية على حل حزبين إسلاميين معترف بهما هما "حزب الأمة" وحزب "البديل الحضاري"، بدعوى تورطهما في "الإرهاب"، وهي تهمة سياسية كان الهدف من ورائها هو إنهاء المشاركة الشرعية للأحزاب السياسية في العمل السياسي المدني، للحد من مد الإسلام السياسي. لكن تلك القرارات المتعسفة أساءت إلى المغرب وأبانت عن قصر نظر أصحابها لأنها لم توقف المد الإسلامي داخل المجتمع ولم تُنه الوجود الإسلامي داخل المؤسسات المنتخبة، فالكثير من المتعاطفين مع هذا التيار والراغبين في المشاركة السياسية الرسمية سيتوجهون إلى حزب "العدالة والتنمية" سواء كأعضاء أو مرشحين أو مصوتين أو فقط متعاطفين. 
 
وقد شاهدنا قبيل الانتخابات الأخيرة، خاصة خلال فترة الترشح للانتخابات، إقدام إسلاميين محسوبين على تيارات الإسلام السلفي، الذي كان بعض أتباعه يحرم ويكفر العمل السياسي، على الترشح لهذه الانتخابات باسم "العدالة والتنمية"، وذلك بعد أن رفضت السلطات المغربية الترخيص لـ "السلفيين" المغاربة بتأسيس حزبهم الخاص بهم. أما أكبر وأقدم جماعة إسلامية في المغرب فهي "العدل والإحسان"، ورغم أنها تشكك في شرعية مرجعية النظام السياسي المغربي، إلا أنها ليست ضد التحول إلى حزب سياسي، وحسب أعضائها فقد سبق لها أن تقدمت بطلب الترخيص لها لتأسيس حزب سياسي وهو الطلب الذي ظل معلقا حتى اليوم، بل حتى الاعتراف بها كجمعية رسمية، ما زالت السلطات تشكك فيه رغم أن الجماعة تعتبر نفسها قانونية.
 
هناك أيضا الإسلاميون المتصوفون وهؤلاء لهم أتباع كٌثر، ورغم إدعائهم بأنهم ينأون بأنفسهم عن السياسية إلا أنهم غالبا ما يسمحون للسلطة بتوظيفهم في معاركها السياسية كما حصل أثناء التصويت على دستور 2011، عندما رخصت لمسيرة ضخمة لهم خرجت بشوارع الدار البيضاء تدعو إلى التصويت لصالح الدستور الذي دعت إلى مقاطعته الكثير من الحركات السياسية الإسلامية واليسارية والشبابية.
 
إن وضعية "احتكار" الصوت الإسلامي اليوم داخل الساحة السياسية الرسمية المغربية من طرف حزب واحد هو حزب "العدالة والتنمية"، هو قرار سلطوي بامتياز فرضته السلطة نفسها التي تحاول اليوم محاربة من يحتكره. وهذا واحد من أكبر "أخطاء" هذه السلطة التي حولت جمعيات إسلامية صغيرة لم يكن لها تأثير كبير إلا داخل أوساطها إلى أكبر قوة سياسية في البلاد اليوم، قوة تقوم على نفس المرجعية الدينية التي تستند عليها شرعية النظام القائم في المغرب. فغياب "التعددية" الإسلامية داخل الحقل السياسي الحزبي المغربي هي التي جعلت من حزب "العدالة والتنمية" ما هو عليه اليوم، بكل ما له وما عليه. وهذا الوضع "المريح" للحزب الذي قاد الحكومة طيلة خمس سنوات ماضية ومرشح لقيادتها طيلة السنوات الخمس المقبل في حال نجح في تشكيل أغلبية برلمانية، هو الذي جعله "يتواطأ" إلى حد ما مع السلطة، عندما ينتقد خصومها من "الإسلاميين" المعارضين، مثل جماعة "العدل والإحسان"، ومباركة مقاربتها الأمنية المتشددة والسكوت على "تجاوزاتها" في بعض الحالات ضد السلفيين المتشددين، ومحاولة منافستها على استمالة تعاطف وأصوات "المعتدلين" منهم خلال فترة الانتخابات، والسكوت على منع حزبين سياسيين إسلاميين بطريقة غير قانونية.
 
لذلك فالسلطة تجد نفسها في حاجة إلى "خدمات" حزب مثل "العدالة والتنمية" عندما يكون في خدمة أجندتها لمحاصرة مد الإسلام السياسي، وفي نفس الوقت تسعى إلى الحد من نفاذ هذا الحزب إلى داخل مؤسسات الدولة، لأنها لا تريد أن يوجد منافس قوي لها داخل المجتمع والدولة وفي نفس الوقت يتبنى نفس المرجعية التي تؤسس عليها شرعيتها. فهي تخاف من أن يتحول ما هو مشترك اليوم إلى مجال للتنافس غدا. 
 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".