google - إدريس لشقر- أمين عام حزب الاتحاد الاشتراكي في المغرب

محمد أحداد يكتب: الاتحاد الاشتراكي.."ودارت الأيام"

من منا كان يتوقع يوما أن تدور الأيام على هذا النحو، لنشهد على حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يرفع مذكرة إلى الملك كي يشتكي من الخروقات الانتخابية ومن تجار الدين والسياسة ومن أعوان السلطة الصغار، بينما كان القصر في العهود الغابرة هو الذي يتودد إليهم ويخشى من سطوتهم ومن أفكارهم وقدرتهم الرهيبة على الالتحام بالجماهير. 
 
أيام كان الاتحاد قويا ويتوفر على مشروع سياسي له جذوره في المجتمع ويدافع عنه المفكرون والمثقفون والبسطاء أيضا، رفع سقف مطالبه إلى درجة التغيير الدستوري والملكية البرلمانية وعارض الحسن الثاني عندما دعا إلى الاستفتاء، وقاوم أحزاب ولدت من رحم الإدارة.. ورغم التزوير ورغم الآلة الفتاكة لإدريس البصري كان الاتحاديون يتوغولون في القرى والمدن والأحياء الفقيرة والغنية على حد سواء.
 
لا نريد أن نكون قساة على الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لكن الثابت الآن أن النقد الذاتي أصبح ضرورة سياسية وتاريخية وليست مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي.
 
لم يكن الاتحاد دكانا سياسيا مهمته الوحيدة نحت البيانات وإنتاج الخطاب التظلمي من السلطة ومن تجار الدين، ولم يكن يوما حزبا ينتظر قرارات الأحزاب الأخرى. كان المالك لزمام القرار، هو الذي يصنع المعادلات السياسية في البلاد، وهو الذي يعجن التحالفات كما يشاء ويفاوض بالطريقة التي يشاء. 
 
"دارت الأيام" كما تقول أم كلثوم، وأصبح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مجرد حزب عادي يلهب وراء من يتحالف معه، فتارة تجده يغازل العدالة والتنمية بحثا عن مكاسب وزارية وتارة يقترب من البام، وتارة أخرى يحن إلى الكتلة التاريخية التي أصبحت مجرد شعار آسر. 
 
فقد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حينما دك جناحه النقابي وفتت شبيبته وقتل هياكله، بالتحديد حين صار الاتحاد مختصرا في صورة الزعيم. بطبيعة الحال، لا أحد ينكر أن الدولة ساهمت بقسط وافر في إضعاف الاتحاد الاشتراكي الذي كانت ترى فيه إلى حدود بداية العقد الأول من القرن الحالي منافسا حول الملك، وأن لا وعي الاتحاديين ما يزال يحن إلى سنوات الانقلاب على الملك الراحل الحسن الثاني رغم أنهم قدموا كل التنازلات الممكنة ذات تناوب ولى. 
 
عوض أن يقدم إدريس لشكر  استقالته من الحزب، ويقدم بذلك درسا للاتحاديين الذين يشككون في قدرته على تدبير شؤون الحزب، راح ينكئ جراح الاتحاديين ويرش عليها مزيدا من الجرح، حيث قال في لحظة سياسية فارقة إنه سيبعث بمذكرة إلى القصر الملكي يندد فيها بالقطبية المصطنعة التي أفرزتها الانتخابات التشريعية الأخيرة. 
 
بالقدر الذي يبعث الأمر على الضحك يبعث على البكاء أيضا، فالاتحاد كان إلى وقت قريب، تحديدا قبل قبول الاتحاد الانخراط في مواضعات الانزياح عن المنهجية الديمقراطية بتعيين إدريس جطو الرجل التكنوقراطي على رأس الحكومة رغم فوز الاتحاديين بالمرتبة الأولى، يشكل بالنسبة لجزء كبير من المغاربة بديلا عن الأصوليات مهما كانت مظانها سواء كانت إسلامية أو مخزنية، بل وكان الخيار الثالث الحقيقي بالنظر إلى قوته في الشارع وفي البرلمان. 
 
بعد 2007 استحلى الاتحاد الاشتراكي قواعد اللعبة وذاب في البنية المخزنية ذوبانا جعل جزء كبيرا من المنتمين إلى المشروع الاتحادين يبحثون عن "أرض الله الواسعة" تشيعا لزعيمهم عبد الرحمان اليوسفي، ومنهم من أسس حزبا سياسيا جديدا إما بتدخل الدولة بطرقها المعروفة أو برغبات أعضائه الذين رؤوا أن الاتحاد يتجه نحو الهاوية..
 
لا نريد أن نكون قساة على الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لكن الثابت الآن أن النقد الذاتي أصبح ضرورة سياسية وتاريخية وليست مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي، فإدريس لشكر زعيم الاتحاديين الذي خنق كل الأصوات المعارضة له بعد المؤتمر الأخير، وقتل ما تبقى من الأمل في الانبعاث عليه أن يرحل.. أن يرحل قبل فوات الآوان.
 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".