صلاح علي إنقاب يكتب: وهل تعرفون إسلام المعتزلة؟!

"العقل أعدل الأشياء توزيعاً بين الناس في العالم" - ديكارت (والمعتزلة أيضاً)
 

ليس إسلاماً واحداً، لذلك يستطيع الجميع القول أنهم يمثلونه: هنالك إسلام جماعة تهتم بطول اللحية التي تكفل دخول صاحبها الجنة، إسلام لا يهتم بدخول المرأة إليها بسبب واحدٍ بسيطٍ وغير معلنٍ، وهو كونها لا تمتلك هذه اللحية؛ وهنالك إسلام يخرج الجنة من داخل الإنسان وهو حيٌ وآخر يرسله إليها بعد وفاته متجاهلا رحلة الحياة نفسها؛ وهنالك إسلامٌ للناس كافة؛ وهنالك إسلامٌ لرجال الدين فقط؛ وهنالك إسلام لا يهتم بأمر الجنة مقدار اهتمامه بمكاسب أربابه في الحياة الدنيا؛ وهنالك إسلام يؤمن بوجود ربٍ واحدٍّ يدرك العقل ويدركه. إنه ليس إسلاماً واحداً ليتمكن أيٌّ كان بالدفاع عنه أو اتهامه أيضاً، فكل الجرائم يمكن اقترافها باسم الإسلام، كما هو حال كل الفضائل التي يمكن القيام بها باسم إسلامٍ آخر، وليس إسلام المعتزلة سوى النموذج الأكثر ملائمة لحل الفرار من كارثة اسمها التدين، منذ أصبح التراث واجهة للدين، واستحالت الكراهية وخطاب العنف باباً وحيداً  للطريق الى الله.  

سأحدثكم أنا عن إسلامٍ آخر، إسلام ينطلق من العقل في اتجاه العقل، عبر منهج نقدي صرف، حيث المعرفة العقلية هي المؤسسة للمعرفة النقلية، فليست المعرفة هي الغاية، بل العقل، وليس هنالك تصورٌ للعالم أو الإنسان أو الله خارج إدراك العقل نفسه، كونه قادر على التمييز بين الطيب والشرير، والصواب والخطأ، والضار والنافع قبل استقبال المعرفة النقلية، سواء كانت قيمة مجتمعية أو نص وحيٍّ، فالإنسان عند المعتزلة مكلّف عبر وحدة القيم سواء وصل الوحي إليه أم لم يصل، وهذا يلغي فكرة اقتصار الدين على نص الوحي نفسه، كون النص محصوراً في لغته أولا والتي هي بدورها محاصرة بقيمها المعرفية المحدودة، فالنشاط المعرفي داخل أي لغة يبقى محدوداً ما لم تخرج اللغة عبر النص الى القيم المقصودة، ليصبح النص في حد ذاته غاية لا مادة، واللغة ليست سوى وسيط للغاية.  

عبر هذا المنطلق مروراً بقواعد المعتزلة الخمسة، يسقط أي إسلام آخر في فخ المواجهة غير المتكافئة وإسلام المعتزلة لا يقيم وزناً للنص، بينما يعتمد كل إسلام آخر على نصٍّ فارق المكان والزمان منذ تأسيسه وصياغته، دون الحديث عن تناقضات النصوص التي تؤسس لجمود المعرفة العقليّة وغياب المنطق عن النص الديني نفسه، وعلى سبيل المثال فإن حواجز الزمان والمكان جعلت إسلام النصوص يصطدم بالحائط، تلك الحواجز التي لم تستطع دائرة الفقه السلفي تجاوزها، فخرجت فتاوى المطاعم الحلال في الدول الغربيّة لحل مشكلة لا مبرر لها أصلاً سوى عدم قراءة القرآن نفسه : {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} - الأنعام 14. وسقط الفقه في معضل أزلي لا يستحيل حلّه إلا بالخروج من الفقه نفسه حول مشكلة مواقيت الصلاة والصوم في دول اسكندنافيا والقطب الشمالي مع تزايد حجم الجغرافيا، والذي صحبه جمود النصوص على حالها كون واضعوها أموات لم يعرفوا الجغرافيا الجديدة أصلاً، حيث لا غروب ولا شروق لمدة تجعل الصلاة نفسها والصيام مهمّة يستحيل تنفيذها بسبب الجغرافيا نفسها، فالعلاقة بين الدين والجغرافيا لم تتحقق كاملة منذ احتُكر الدين نفسه في بديهيّات ثقافيّة مرتبطة بجغرافيا الشرق الأوسط زمن كتابة إسلام النصوص (أو ما أسميه بالإسلام التاريخي)، رغم كون الإسلام يعلن غياب الصفة الإقليميّة عن أتباعه، وهذا جزء من تناقضاتٍ لم يجد أحدٌ من رجال الإسلام النصّي حلاً لها.

من الأصول الخمسة عند المعتزلة يأتي "العدل" كجواب عقلي لمسألة حرية الإنسان وحقّه في الاختيار، حيث انعدام الاختيار يوصل إلى انعدام العقاب والثواب، وهذه معضلة منطقيّة بالنسبة لأتباع إسلام النصوص، حيث وبسبب الجغرافيا أيضًا أصبح هناك مصطلحي "المسلمون بالوراثة" و"الكفار بالوراثة"، وإعلان الحرب الخاسرة في القرن الحادي والعشرين، رغم أن احداً من هؤلاء لم يسأل، هل يجوز القول بكفر العالم بعد أن أصبح أكبر من شبه الجزيرة العربيّة؟! وهل يجوز القول بكفر من لم ولن يتجاوز حواجز اللغة التي سُجن داخلها النص الديني نفسه؟! على أساس أن إسلام النقل لم يتحرك خطوة واحدة خارج دائرة نصوص القرن السابع، لكن عدل المعتزلة يقدم قفزة الى الأمام تتجاوز كل النصوص التي أوقعت الإسلام في فجوة القضاء والقدر، والتي تلغي وجود الإنسان نفسه، وترسم صورة عبثية للحياة نفسها، بل للدين ووجود الله أيضاً، حيث أن الدين عند المعتزلة قد يحدث بدون وحي، حيث التكليف يكون بالعقل الذي يفعل الحسن ويترك القبيح كواجبٍ عقليٍ فيكون العقاب والثواب حتى بدون رسولٍ يبيّن الحلال والحرام، وهو موقف عقليٌّ صارمٌ يسميه الشهرستاني "الديانة الطبيعيّة"، وهو ما قالت به مدرسة جامعة كامبردج الأفلاطونيّة في منتصف القرن السابع عشر بقيادة الإنجليزيَيَن رالف كودوورث (1617-1688) وهنري مور (1614-1687)، والتي أضافت تفسيراُ إنسانياً في اتجاه فكرة أن: ".. الدين الحقيقي يجب أن يتّسق مع الحقيقة العقليّة"، للوصول إلى نتيجة مفادها أن حتمية الكون متماشية مع قرار الإرادة الحرّة للإنسان بوصفه جزأ من الكون نفسه.