anp - أرشيف: جمال عبد الناصر وأنور السادات.. أسابيع قليلة بعد ثورة يوليو 1952

وائل عباس يكتب: الملواني ليس موجودا على ويكيبيديا

العام 1968 بعد الهزيمة، عمال حلوان يتظاهرون يوم الخميس 20 فبراير ضد مهزلة محاكمات ضباط الهزيمة، أحكام هزيلة وبراءات للضباط، بما يذكرنا بمحاكمات قتلة الثوار في يومنا هذا. يوم 22 فبراير يطلق جنود عبد الناصر النار على عمال حلوان، فينتفض طلبة الجامعات والمدارس ضد الرد على الاحتجاج على الهزيمة بالرصاص، المطالب واضحة، ديمقراطية بلا حدود وحل البرلمان وانتخابات حرة، إعادة محاكمة ضباط الهزيمة، عزل وزير الداخلية ومحاكمة المسئولين عن إطلاق النار على عمال حلوان، استقلال الجامعات، حل الاتحاد الاشتراكي.
 
لوهلة كان يبدو أن الشباب سينتصر في انتفاضته، وأصدر عبد الناصر ما سمي ببيان التغيير في 30 مارس، على أن يستفتى الشعب عليه في مايو، وتضمن الحشد والتعبئة ديمقراطيا من أجل النصر، وأن يكون الاتحاد الاشتراكي بالانتخاب من القاعدة للقمة، وهو البيان الذي يحتفي به الناصريون حتى اليوم رغم أنه كان مجرد حبر على ورق.
 
ويعترف فيه عبد الناصر شخصيا بوجود مراكز القوى، وهو المصطلح الذي يعتقد كثيرون أن صاحبه هو أنور السادات في ما سماه بثورة التصحيح 15 مايو 1971، لكن عبد الناصر يتحدث عنهم وعن التصحيح أيضا بوضوح في البيان فيقول: ولقد تجاوزت الأمور حد ما يمكن قبوله بعد النكسة؛ لأن مراكز القوى وقفت فى طريق عملية التصحيح خوفًا من ضياع نفوذها، ومن انكشاف ما كان خافيًا من تصرفاتها. وكان ذلك لو ترك وشأنه كفيلًا بتهديد جبهة الصمود الشعبي؛ ولذلك فلقد كان واجبًا - بصرف النظر عن أي اعتبار- تصفية مراكز القوى، ولم تكن تلك بالمسألة السهلة إزاء المواقع التي كانت تحتلها مراكز القوى، وفي إطار الظروف الدقيقة التي كان يعيشها الوطن.
 
لكن بحلول نوفمبر من نفس العام عادت الشرطة لقمع مظاهرة لطلاب مدرسة ثانوية بالمنصورة عاصمة الدقهلية قمعا داميا وكأن شيئا لم يكن، وكما اعتدنا من دولة العسكر، فقد لحسوا وعودهم وانقلبوا على الطلاب ونكلوا بهم أيما تنكيل، فانتفضت الجامعات مرة اخرى وخصوصا جامعة الاسكندرية التي كان يلتحق بها طلاب الدقهلية، وتزعم تيمور الملواني الهتاف ضد شعراوي جمعة وزير الداخلية وقتها بهتاف: يا شعراوي يا سفاح دم الطلبة مش مباح، كما هتف ضد عبد الناصر شخصيا قائلا: لا صدقي ولا الغول عبد الناصر هو المسؤل.
 
استخدمت الدولة كل تنظيماتها الموجودة وقتها، المخابرات، أمن الدولة، الاتحاد الاشتراكي، رعاية الشباب، التنظيم الطليعي، منظمة الشباب، مكتب الرئيس للمعلومات وحتى هيئات التدريس للانتقام من هؤلاء الشباب الذين هزوا هيبتها. وبحسب اللواء أركان حرب مصطفى شلبي الحناوي قائد سلاح الطيران في ذلك الوقت في تصريح له لهشام السلاموني في مجلة روزاليوسف عام 1997، فقد قال إن جمال عبد الناصر طالبه بضرب تلك المظاهرات بالطائرات، وان الفريق فوزي أخبره أن عبد الناصر بيقول ان مظاهرات الطلبة هدفها اسقاطه ولابد من اخمادها، ورفض الحناوي التنفيذ، وهي القصة التي طالما حاول الناصريون اخفاءها وانكارها والتشكيك في مصداقيتها.
 
كان عبد الناصر يقلب في احد المجلات ذات يوم، فقرأ عن مسابقة للشباب في مصيف المعمورة بعنوان ابو عيون جريئة، على اسم الاغنية الشهيرة لعبد الحليم حافظ، فقال ايه المرقعة والمياصة دي، وقام متصل بعبد الحكيم عامرالساعة 6 صباحا، وقاله هاتلي العيال دول قبل الضهر احلقلهم زلبطة ودخلهم الجيش علشان يسترجلوا، فعبد الحكيم قاله طب لو فيهم حد وحيد اهله؟ فعبد الناصر قاله اعمله قرار جمهوري وجنده برضه، قد يقول قائل ان هذه القصة تدل على عظمة الزعيم وعلى ان الجيش مصنع الرجال الخ.
 
لكن تعالوا نسمع القصة الجديدة دي: كان تيمور الملواني من القيادات الطلابية في جامعة الاسكندرية، وتزعم المظاهرات ضد محاكمات الهزيمة، والتي كان من نتيجتها بيان 30 مارس كما اسلفنا، لكن كما اسلفنا ايضا فقد انقضت دولة العسكر مرة اخرى على من هزوا هيبتها وجبروتها، وكان تيمور الطالب بكلية الهندسة من المعتقلين الذين صدر بشأنهم توصيات غريبة لم يسمع عنها من قبل في الجيش المصري.
 
صدرت قرارات بتجنيد خمسة عشر شابا من جامعات القاهرة وعين شمس والاسكندرية، وإرسالهم الى حرس الحدود بالبحر الأحمر، الكتيبة الخامسة والسادسة، مع عدم التصريح لهم بحمل سلاح، ولا التدريب عليه، لا يصرح لهم بإجازات، ولا مرتبات، وضعهم تحت مراقبة المخابرات والأمن وأمن المنطقة وأمن الوحدة، ويرسل عنهم تقارير إلى مخابرات الحدود، وقال لهم ضابط مخابرات السجن الحربي قبل ترحيلهم ساخرا منهم: عاوزين تحاربوا إسرائيل؟ روحوا حاربوها.
 
لماذا أرسل هؤلاء إلى الكتيبة الخامسة؟ برغم ان هذه الكتيبة سبق وأن أبادها الإسرائيليون في اقتحام الزعفرانة؟ ثم سرقوا الرادار الحديث ب12 من منطقة راس غارب، ودهسوا محافظ البحر الأحمر وقائد المنطقة العسكرية، أي أن المنطقة منطقة عمليات خطرة ومستهدفة من الإسرائيليين، ومع ذلك أرسل هؤلاء الطلاب مع تعليمات بعدم حملهم سلاح أو تعلم استعماله، بوضوح كان حكما بالإعدام، ارسل عبد الناصر طلاب المظاهرات ليلقوا حتفهم هناك، وكأن التجنيد أصبح اعتقالا وعقابا، لا خدمة للوطن وشرفا يسعون إليه. هذه القصة قد تساعدنا لفهم ما يحدث في شمال سيناء الآن والخسائر الفادحة من المجندين الشباب الذين كانوا عماد ثورة يناير، مصدر القصة السابقة كتاب كلمات مهداة الى تيمور الملواني على لسان زميله المهندس أحمد عبد الرحمن أحد من تم عقابهم أيضا بسبب مظاهرات نوفمبر 1968.
 
عاش تيمور برغم كل ذلك، وقاد مظاهرات تأييد للسادات ضد مراكز القوى في 1971، ثم قاد مظاهرات ضد السادات عندما لم تعجبه سياساته، شارك في انتفاضة 1977، وفي مظاهرات معرض الكتاب ضد اسرائيل، وفي جنازة فرج فودة هاتفا ضد الجهاد والإخوان والمتاجرة بالأديان، وفي افتتاح مقهى وادي النيل الذي فجره الإرهابيون. ناضل ضد استيلاء الإخوان على النقابات ومنهم نقابة المهندسين، وحبس أكثر من مرة، حتى توفي عام 1993 وهو لم يكمل الخمسين عاما.
 
حاولت البحث عن معلومات عن تيمور الملواني، وفوجئت بأنه ليس موجودا على موسوعة ويكيبيديا، برغم أن عليها صفحات لكل من هب ودب حتى أنا العبد الفقير لله لي صفحات بالانجليزية والعربية والاسبانية والسويدية والاوردية، بل اني لم أجد الكثير من المصادر عن انتفاضة الطلاب في 1968، لكن الكثير من التطبيل لجمال عبد الناصر وبيان 30 مارس، لقد سيطر مثقفو ناصر على الساحة لفترة طويلة حتى أثناء حكم السادات ومبارك، وعملوا على طمس التاريخ وحقائقه وشخصياته، حتى ان معارضي ناصر أصبحوا يتحرجون من الحديث عنه خوفا من هجوم قطعان الناصرية عليهم، حتى ان احد اصدقاء الملواني زعم انه كان يحب عبد الناصر.
 
كانت علاقتي بنوارة نجم جيدة في بعض الأوقات وليس طول الوقت، بما سمح لها بأن تعرفني بوالدها الفاجومي أحمد فؤاد نجم، حتى انها اصطحبتني ذات مرة لقعدة من قعداته الشهيرة في منزله في المقطم، وكان الفاجومي بيقول علينا احنا المدونين العيال قلالات الادب، بس كان بيحبنا وبيحترم شغلنا بعكس ناس كتير كانت شايفانا شوية عيال مالهاش لازمة، فاثناء القعدة قالتله نوارة وائل بيحب السادات ويكره عبد الناصر، قال يعني بتحرجني، فقالها وايه يعني هو حر، وقام مسمعنا قصيدة قدح نادرة في عبد الناصر لم اسمعها من قبل، ولا اعتقد انها نشرت، وصفق الجميع للقصيدة وضحكوا ضحك قهقهة، وللاسف لم اسجلها او اصورها بالكاميرا رغم اني صورت وسجلت للفاجومي اكثر من قصيدة موجودين على يوتيوب، للاسف كان الحظ دائما في جانب عبد الناصر.
 
من هتافات تيمور الملواني الشهيرة والتي تستخدم حتى يومنا هذا: قال ايه مجلس أمة واللي عاملينه همه، وايضا هتاف: عايزين حكومة حرة ده العيشة بقت مرة.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".