anp - صورة من الأرشيف (1950) للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر (1918-1970)

وائل عباس يكتب: رحلة السيد ابو العلا الناصري

زمان وانا صغير لما كنت باتفرج على مسلسلات الناصري اسامة انور عكاشة، كنت باشعر بانبهار شديد كحال معظم المتفرجين وقتها، وكنت باتخيل ان دي منظومة القيم اللي لازم اتبناها واعتنقها في حياتي لما اكبر علشان اكون انسان شريف. منظومة هو نفسه انتقدها وغيرها في آخر ايامه وقلب ليبرالجي مباركي قبل ما يموت، هو بس مكانش عاجبه السادات كباقي الناصريين، لانه بالبلدي حط عليهم حطة سودا في 15 مايو 1971 فيما سمي بثورة التصحيح.
 
وعكاشة شتم السادات بعد موته على لسان شخصيات فيلمه الهجامة. فقد قال حسن حسني لهشام سليم وهم جالسين تحت صورة السادات: الراجل ده حبرتقي وحلنجي وها ينغنغ البلد وكل ما عمره يطول جيوبنا ها تدفى. وفي مسلسله ليالي الحلمية استخسر فينا الفرحة بنصر اكتوبر فجعل المعلم زينهم السماحي قال ايه يموت من الفرحة بالنصر، قال يعني رمزية مباشرة لوفاة القيم في عهد السادات، رغم ان زينهم كان في اول المسلسل اصلا بلطجي يعتاش من الفتونة ويستخدمه المرشحون في الانتخابات ضد بعضهم في البلطجة وتزوير التصويت في فترة الملكية.
 
شخصية ابو العلا البشري بطل المسلسل الذي عرض عام 1985 مثلا كنت شايفه الشخص المثالي ذو القيم، لكن لما شوفت المسلسل تاني بعد ما كبرت وعينيا فتحت عالدنيا اكتشف انه كان موظف ناصري تقليدي، استفاد من عهد ناصر ومشي جنب الحيط، انعزل عن العالم بوفاة جمال عبد الناصر اللي بيمثلوها في المسلسل على انها وفاة ام كلثوم، يبدو انه كان بمعزل تماما عن المتغيرات السياسية والاقتصادية بمصر بما فيها نكسة 1967 وحرب 1973، لكنه قرر ينتقد تغيرات المجتمع التي حدثت بسبب تلك الظروف ليس بعد وفاة عبد الناصر فقط ولكن بعد وفاة السادات ايضا، الرجل يحمل مجموعة قيم متعفنة عن الشرف والاخلاق، قيم ابوية ومجتمعية ودينية قديمة تبيح له التدخل في حياة الاخرين بفجاجة.
 
لم يمتهن السياسة من اجل تغيير المجتمع المعيوب واصلاحه لكن قرر يطلع عين قرايبه طبعا لانه اسهل شيء ممكن يعمله ويثبت بيه ذاته، قرايبه اللي صورهم اسامة انور عكاشة على انهم غارقين في الفساد وحب المال والطمع والانفتاح السداح مداح والفن الهابط في نظر ابو العلا طبعا، وهي الصورة التي كانت سائدة عن المجتمع المصري في الدراما والسينما في بدايات الثمانينات خاصة في افلام المقاولات ذات التمويل الخليجي.
 
ابو العلا طبقى بوضوح تتغير معاملته مع موظفيه حسب رتبتهم الوظيفية، فهذا يشرب شاي معه وهذا يبعته يندهله حد ما، هي دي منظومة القيم ان الناس طبقات وكده، ابو العلا البشري جبان لم يواجه حكام البلاد بفسادهم الذي افسد العباد بل تحول الى داعية مثل عمرو خالد، لكن فقط في وسط عائلته التي لم يكن يمثل لها الا قريبهم الموظف في وزارة الزراعة اللي بيجيلهم من الريف محمل بط ووز وفطير، ثم كرهوه بسبب تدخله في حياتهم، لم يحارب من اجل حبيبته وهو صغير ولا وهو كبير حتى عندما اصبحت متاحة بوفاة زوجها، الى جانب قيمه الرجعية المحافظة التي تمثل فعلا قيم المجتمع المصري حاليا، مجتمع يجب ان يكون مقياسه للاخلاق هو ما يحدده النظام الحاكم، لو رقصوا رقص ولو صلوا صلى.
 
يحاول المؤلف بمباشرة فجة دائما الربط بين ابو العلا وشخصية دون كيخوته للمؤلف الاسباني سربانتس، يمكنك الرجوع الى مقالي اللي شاف حمص ولا كلش للمزيد عن الرواية، فابو العلا من اول حلقة يقرا الرواية وهي التي تلهمه بان يترك وظيفته ويتفرغ للعائلة، وحتى تتر المسلسل يحتوي صورة غلاف الرواية، هذا الربط ربما يريد به المؤلف ان يثبت سذاجة وطيبة وحسن نية ابو العلا، لكن في الحقيقة كان دون كيخوته رجل احمق مهبول، بينما ابو العلا رجل منافق مدعي للاصلاح.
 
المسلسل عاد للذاكرة بعد سقوط طائرة باريس، فرئيسة طاقم الضيافة كانت الممثلة ميرفت عفيفي، حيث كانت تمثل دور هالة اخت محمود الجندي وعلي الحجار ابناء قريبة ابو العلا، الذين كان ابو العلا ينتقد تصرفاتهم كشباب وذهابهم للرقص في الديسكو والعياذ بالله رغم انه يقدر الفن ويحترمه في شكل ام كلثوم فقط، لكن اي حاجة غيرها تبقى مش صح، مخدتش ختم القيم الناصرية السمحة.
 
مقدمة المسلسل ومؤخرته اغنيتان من تاليف الناصري ايضا عبد الرحمن الابنودي الذي مات مؤيدا للسيسي مباركا لحكمه على مصر رغم كل تضحيات الشباب في الثورة التي كان يتغنى بها دائما، ويغني الاغنيتان علي الحجار، كلمات جميلة لا تعبر عن حقيقة مؤلفها او مؤلف المسلسل او شخصياته الدرامية، المسلسل متاح كاملا للمشاهدة على موقع يوتيوب، كان مسلسل مسلي وملائم لعصر التخدير المباركي الذي تبنى توجيه اصابع الاتهام دائما الى الشعب الذي فسد امره، بينما الحاكم طبعا ما شاء الله فلة ومالوش دعوة بالفساد ده لا سمح الله.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".