anp - مصر: محاولات إنقاذ ناجين من غرق سفينة كانت تقل مهاجرين غير شرعيين - 22 سبتمبر 2016

وجدي عبد العزيز يكتب: قوارب الموت وأكاذيب السيسي

جاءت كارثة غرق مركب صيد كان محملا بحوالي ستمائة مهاجرا أمام ساحل محافظة البحيرة، لتكشف الأكاذيب التي حاول السيسي ترويجها أمام قادة العالم في الأمم المتحدة. ففي لحظة واحدة ضاعت أرواح العشرات من المصريين ويتوقع أن يصل العدد لمئات، في مأساة إنسانية جديدة، من بينهم أطفال وشباب حلموا بالهروب من الموت البطيء والفقر والإهمال الذي يعيشون فيه عبر رحلات قوارب الموت المتكرر في البحر المتوسط، إذ لا يكاد يمر أسبوع دون الإعلان عن القبض على مئات الشباب في محاولات للهجرة غير الرسمية بواسطة قوات حرس الحدود.

فضحت تلك الكارثة المروعة ادعاء السيسي بأن مصر تشهد تحسنا ملموسا في الوضع الاقتصادي، وأنها دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان والحريات. وإذا كان ذلك حقيقيا فلماذا يهرب الشباب مغامرين بحياتهم لمواجهة مخاطر الموت؟ أليس لهم الحق في الحصول على فرصة للعمل الكريم في بلدهم؟

بعد مرور عامين على تولي السيسي للسلطة، تزايدت معدلات الهجرة السرية بشكل متسارع، وبدأت الأسر في الدفع حتى بأطفالها القصر للهروب أملا في البحث عن فرصة لحياة أفضل. وتشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى إن معظم المصريين الذين يصلون إلى إيطاليا هم من الأطفال غير المصحوبين بأهاليهم. ورصد تقرير للمنظمة أنه خلال الفترة من يناير إلى مايو 2016، وصل نحو 1815 من المهاجرين المصريين للسواحل الإيطالية من بينهم 1147 من الأطفال غير المصحوبين بذويهم، أي بنسبة 78%، لتحتل مصر بذلك المرتبة الأولى بين البلدان المرسلة للأطفال المهاجرين غير المصحوبين بذويهم إلى إيطاليا. ويمكن إعادة ظاهرة هجرة الأطفال وحدهم إلى إيطاليا إلى "اتفاقية إعادة القبول" التي وقعتها الحكومتان المصرية والإيطالية في 2007، والتي قامت بتسريع إجراءات إعادة المهاجرين المصريين فوق 18 عامًا من إيطاليا لمصر.

ووفقا لاحصائيات المفوضية العليا لشئون اللاجئين، فقد شهدت أعداد المصريين الذين سافروا إلى إيطاليا عبر البحر المتوسط زيادة ملحوظة من 344 شخصًا في 2015 إلى 2634 شخصًا منذ بداية العام الجاري، وبذلك أصبح المصريون الآن من الجنسيات العشر الأولى لمن يعبرون البحر المتوسط عبر هذا الطريق.

وكالعادة في مثل هذه الكوارث لايهتم المسئولون المصريون بسرعة إنقاذ الضحايا. فالناجون من الغرق قالوا إن سفن الصيد القريبة هي التي أنقذتهم، بينما يهتم المسئولون فقط بوضع "الكلبشات" الحديدية في أيدي المصابين وربطهم في أسرة المستشفيات أثناء تلقي العلاج، والقبض على الآخرين والتحقيق معهم بتهم تصل عقوبتها للغرامة والسجن. وفي هذا السياق تأتي تصريحات السيسي قبل الحادث بيومين في نيويورك أنه جاري العمل على تحديث قانون مكافحة الاتجار في البشر وتشديد العقوبات على المهربين والسماسرة، وكأن تغليظ العقوبات سيمنع الشباب من التفكير في الهجرة بحثا عن حياة أفضل. وطالب رئيس الوزراء بمعاقبة المتسببين في الحادث وتغافل عن أنه مسئول عما حدث، لأن المهربين والسماسرة لن يفلحوا في إقناع الشباب بالهجرة إلا إذا كانت ظروف حياتهم شديدة الصعوبة والقسوة بما يدفعهم للمغامرة الأكثر خطورة على أرواحهم.

ورغم فداحة الكارثة في كل مرة يغرق فيها الشباب المهاجر، يلاقي الضحايا وأهاليهم الكثير من اللوم والسخرية من بعض أبواق الدعاية والمنافقين للنظام، في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، باعتبارهم مجرمين حالمين بالحياة السهلة والثراء السريع، بما لايراعي أبسط المشاعر الإنسانية في مثل هذه المواقف. كما نجد رجال الدين يرفضون اعتبار الضحايا ضمن الشهداء بدعوى أنهم ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة، وكأنهم كانوا يعيشون في جنة الله على الأرض، ويتناسون المثل المصري القائل "أيه اللي رماك على المُر، قال الأَمر منه".

وللأسف الشديد ومما يثير الكثير من الحزن على الضحايا، أن هذه الكارثة الإنسانية لم تكن الأولى من نوعها، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة. ففي نفس يوم الحادث يتوقع أن يتم حشد المئات من الشباب من مصر والسودان والصومال وأريتريا استعداد لتسيير مركب آخر، وستسمر مراكب الموت في الإبحار طالما استمرت السياسية الاقتصادية الحالية التي تنتج مزيدا من الفقر للفقراء، وتقضي على آمال الشباب وطموحاتهم للعيش بكرامة وإنسانية. كما تهدر هذه السياسات الحق في العمل والتعليم والصحة والسكن، فضلاً عن تزايد الخوف من الاضطهاد والهروب من الحروب الأهلية في دول جنوب المتوسط، وبذلك لايمكن الحديث عن وقف الهجرة غير الرسمية بدون إحداث تنمية حقيقية في البلاد، ولابد من البحث فى الجذور الحقيقية للمشكلة فهذا هو الطريق الوحيد نحو إيجاد حلول جذرية بحل مشاكل الشباب المرتبطة بالبطالة والفقر.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".