هنا صوتك - وائل عباس مدون سياسي مصري

وائل عباس يكتب: ذكريات مدرسية

بما أن المدارس دخلت، ومقالي اللي فات الناس قالت عليه كئيب، فأنا الصراحة خفت اتشد بتهمة خلق مناخ تشاؤمي، فقلت يا واد اكتب مقال خفيف المرة دي عن ذكرياتك المدرسية، تعالوا اخذكم معايا في رحلة الى أعماق الثمانينات في حدائق القبة.

على ما أتذكر أنا دخلت المدرسة سنة 1980، دخلوني مدرسة أحمد ماهر الابتدائية بشارع مصر والسودان، مدرسة حكومية لكن نموذجية، كانت دائما بتطلع في التلفزيون، والدي كانت علاقاته كويسة بالمفتشين والإدارة التعليمية لأنهم كانوا زملاء سابقين له، لأنه عمل مدرسا للإنجليزية في فترة هروبه من محاولات تجنيد صلاح نصر ومخابراته له أثناء دراسته بحقوق القاهرة، للتجسس على زملائه الإخوان والشيوعيين. ترك الحقوق لفترة والتحق بمعهد للمعلمين ثم قام بالتدريس في مدارس حدائق القبة. بابا ما حبش يكون له علاقة بالسياسة، لا حب يشتغل مع الوحشين الحاكمين ولا مع الطيبين المعارضين.

مدرسة أحمد ماهر كانت فيلا أحمد ماهر باشا، أحد رؤساء وزراء حكومة الوفد، وأحد رؤساء الوزراء الذين اغتالهم الإخوان المسلمون. كانت الفيلا جميلة مبنية من الخشب على طراز الريف الإنجليزي عندما كانت حدائق القبة ضيعة الأثرياء من الباشوات والفنانين، وأحمد ماهر باشا هو جد الوزير أحمد ماهر وزير الخارجية اللي انضرب بالجزمة في القدس، وأثناء فترة وزارته استرد الفيلا التي كانت فيها مدرستي وقام بهدمها، ثم باعها  للحكومة ثانية لتتحول إلى مدرسة مرة أخرى لكن رسمية تجريبية لغات، بمبنى خرساني قبيح يشبه عهد مبارك، بعد تشريد تلاميذها بين مدارس المنطقة.

كانت المدرسة تقع على شارع مصر والسودان، الذي كان اسمه الأصلي شارع الملك، لأن بآخره يقع قصر القبة الجمهوري المنيف، القصر الملكي سابقا. أما الطرف الآخر من الشارع فيرتبط بشارع رمسيس والذي كان أيضا يسمى بشارع الملكة. ظل السكان الأصليون لحدائق القبة يسمونه شارع الملك ربما حتى التسعينات، أي بعد انقلاب يوليو بأربعين سنة، لكن معظم هذا الجيل الذي شاهد مواكب الملك الفخمة تعبر الشارع قد رحل الآن، والجيل الثاني مثلي قد أصبح من الكهول والعواجيز ويستعد للرحيل، تاركين حدائق القبة نهبا للتوكتوك والسوزوكي وهادمي القصور والفيلات وكنتاكي والتوحيد والنور.

أتذكر أني بكيت أول يوم بالمدرسة عندما سلمني أبي للناظر تحت شجرة البامبوزيا بجوار سارية العلم كما يفعل كل الأطفال، لكن لا أتذكر سبب بكائي، ربما لأن المكان جديد ولا أرتاح لوجوه المدرسين الحازمة، رغم أني التحقت بالحضانة قبل المدرسة ويفترض أني معتاد على الوجود بدون أهلي، كنت في حضانة هابي بيبي هاوس لو متذكر الاسم صح، برضه في شارع مصر والسودان، اللي أصبحت جرين سكول حاليا، بجانب بقالة سابرينا التي كانت ايامها تبيع البيرة بشكل اعتيادي قبل أن تتحول الحدائق إلى منطقة محافظة، لكن أهلي أخرجوني من الحضانة بعد إصابتي أنا وأختي بنزلة معوية حادة كادت تودي بنا، وتركت أمي عملها كمدرسة لغة عربية بكلية رمسيس للبنات لتتفرغ لنا.

حارس المدرسة كان رجلا عجوزا جدا لكن صحته جيدة جدا، أعتقد أنه بقي في المدرسة من أيام أحمد ماهر باشا، كان اسمه عم عيسى وكان من النوبة، كان يستقبل التلاميذ ويدق الجرس البرونزي، لم تكن الأجراس الكهربائية للمدارس مستخدمة بعد، وكأي فيلا قديمة كان لها بدروم كنا نسميه اوضة الفيران، ونحكي عنه الأساطير وعن من يحبس فيه. لا أتذكر أن أي طفل حبس فيه على عهدي، خلف المدرسة كانت هناك مجموعة أقفاص مهجورة، لم أفهم استخدامها حتى الآن، لكن ربما كان الباشا يربي بها حيوانات أو طيور، ومن هنا جاءت أسطورة الغوريلا الغامضة التي شاهد ظهورها عدد قليل فقط من العيال الفشارين. كانت منطقة لعب مفضلة برغم من أنها مملوءة بالكراكيب والأوراق القديمة والأتربة، وكانت هناك شجرة ضخمة تسمى بودرة العفريت، كان العيال بيجيبوا الثمرة منها ويحطوها في قفا بعض بزعم أنها تسبب الهرش والحكة.

عام 1980 لم تكن مدارس اللغات موضة بعد، ولم تكن مدارس الحكومة سيئة ومنهارة كما هي الآن، ولم تكن هناك دروس خصوصية، وكان المدرسون على مستوى عالي، على الأقل كانوا يعرفون الفرق بين اللام الشمسية والقمرية وحرفي ال "ذ" وال "ز"، لذا كانت المدرسة خليطا عجيبا من أبناء بائعي الخضر والميكانيكية وأبناء تجار التهريب والانفتاح وأبناء الموظفين الحكوميين المتوسطين والكبار مثل أبي، معاك فلوس أو معاكش كنت بتدخل ولادك مدارس حكومة مطمئنا، وبجانب القراءة والكتابة كنت تتعلم كل شيء عن الشارع وكل طبقات الشعب الكادح والمرتاح، السيء والجيد على حد سواء. أزعم أني عشت في مفترق طرق زمني رهيب لم ولن يتكرر، كانت مصر تنتقل فيه من عصر السادات إلى مبارك ومن الاشتراكية الى الرأسمالية ومن الأخلاق إلى الانحطاط.

شهد عصر مبارك تحول المدارس إلى فترتين صباحية ومسائية، وفجأة انقسمت مدرستنا إلى نصفين، نصف صباحي ونصف مسائي، ثم ظهر التطرف الديني فقرر شخص ما في المدرسة فصل الصبيان عن البنات، رغم أن مدرستنا لم تكن بها مدرسة واحدة محجبة، وكان ربع المدرسين تقريبا مسيحيين بل كان فيهم من أصول أجنبية مثل ابلة زيزف مدرسة الألعاب الممتلئة الشقراء. فالحدائق كانت مليئة باليونانيين والأرمن واليهود، ففصلونا في الصفين الخامس والسادس الابتدائي إلى فصلين مختلفين بعد أن قضينا أربع سنوات مع بعض وتحولنا من أصدقاء إلى أعداء متحاربين، بنفور قزايز البيبسي ونرشها على بعض في الفسحة.

أتذكر أول رحلة مدرسية كانت لمصنعي مصر للألبان وبسكو مصر في الأميرية. كانا ما يزالان مصنعين حكوميين، لم أحب مصر للألبان، فكنت أظن أنهم كانوا سيعطوننا الكثير من الآيس كريم، لكن العمال كانوا متجهمين وغير مرحبين بنا، على عكس بسكو مصر اللي غرقونا بسكويت وحلويات لدرجة أني مليت شنطة وأخدتها لإخواتي في البيت. أتذكر اوتوبيس الرحلات المتهالك كان مشغل وقتها أغنية يللا يا أصحاب لمنى عبد الغني او شيء من هذا القبيل، ثم غنى الأطفال أغنية ابيحة، لم أكن أفهمها وقتها وهي أغنية حمادة بيحب غادة وخدها في عربية لادا. ثم كانت هناك رحلة أخرى لمسرح العرائس بالعتبة وشاهدنا مسرحية الليلة الكبيرة لصلاح جاهين، وما أتذكره عن العتبة وقتها أن الشوارع كانت مفحورة وانها كانت مليئة بالبارات القديمة.

كان أحب مواضيع الرسم عندي في حصة الرسم وقتها حرب أكتوبر، وكنت أحب جدا استعراض المنصة أمام السادات الله يرحمه، وكنت أحب ملابسهم وقتها جدا، كان أبي قد اشترى تليفزيون ملون لأول مرة ليحل محل الأبيض والأسود، وشاهدت اغتيال السادات على الهواء، لم أحزن لقتل السادات، فلم أكن أفهم شيئا، لكن حزنت أن استعراض المنصة توقف بعدها وكان هذا سبب غضبي من بعض أقاربنا الإسلاميين الذين فرحوا باغتياله، وكانت الاغتيالات السياسية موضة وقتها، فقد جرت محاولة لاغتيال ريجان ثم قتلت انديرا غاندي اللي كنت شايف أنها ست طيبة وقتها مش عارف ليه، وكنت نفسي أفهم قتلوها ليه، فوقفت على شباك المطبخ المطل على المنور لأسمع ما تقوله جارتنا الست أم حمدي للست أم طارق، لكن طلعوا مش بيتكلموا عن انديرا غاندي للأسف.

كانت ملابسنا وقتها مريلة كاروهات، لم أكن أحبها مطلقا رغم أنها كانت أشيك من مرايل مدرسة الفتح وهارون الرشيد المصنوعة من تيل نادية، كنت أحب أن أرتدي القميص والبنطلون، لم أكن أحب حتى الشورتات، كنت متعجلا أن أكبر. لم تكن هناك أحذية رياضية وقتها إلا أحذية باتا، أو أحذية مستوردة يشتريها الناس لأبنائهم من بورسعيد. وعند ظهور الكوتشي والجازيل كانت صيحة وقتها، ثم بدا الجميع يرتدون أحذية الفوتبول ذات البزابيز من أسفل، وراحت على الباتا تماما الذي أصبحت منتجاته تسوء يوما بعد يوم، أما البنطلونات فكانت الموضة هي ماركة اسمها باجي، بجيبين كبيرين بالجانبين يفتحان بسوستة.

الشنط كانت جلدية تشبه شنط المحامين، ثم ظهرت شنط البوليستر الرياضية وكانت أشهر ماركة وقتها اسمها اسكوت، لم نعرف اللانش بوكس واللانش باج، ولاد الناس كانوا بياخدوا سندوتشين نصين فينو في كيس بلاستيك، ولاد الغلابة سندوتشين نصين بلدي في ورقة جرنال أو كيس كشري مخروم. كان لينا صديق مسيحي كان بيجيب سندوتشات مورتاديلا، كان فيه أولاد بتقول دي لحمة خنزير يع وبعدين نفس الأولاد دول بقوا يخطفوها منه وياكلوها هم، والفينو وقتها كان حاجة تانية تملاه مربى أو عسل يشربه وعمره ما ينقط، وريحة وطعم تاني خالص غير دلوقت، لكن كنت باقف طابور لوحدي أو مع بابا على الفرن اللي قدام النقراشي الاعدادية علشان اجيبه، كنت بازهق أحيانا من سندوتشات ماما خصوصا الجبنة بالخيار فكنت بابدلها مع زملائي، فماما مرة عرفت فنهرتني، فبطلت ابدل او ادي لحد، فضربوني علشان ياخدوا سندوتشاتي بالعافية، وللحديث بقية ان اعجبكم.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".