ANP - عملة في زمبابوي

وائل عباس يكتب: كاريجامومبي

ناس تقولك بكره تقوم ثورة جياع بسبب الفقر والبطالة العالية، 50 في المائة بطالة رسميا ومن 70 إلى 90 في المائة حسب إحصاءات غير رسمية، وناس تقولك ها يشيلوه علشان بقى بيهبل وحطنا في عزلة دولية ويجيبوا واحد بداله كواجهة برضه ليهم، وناس تقولك ها يحصل تحرك وانقلاب من جوه الجيش ويقلبوه، نظريات كتير قوي بيطلقها اهل الكنبة لا تتضمن ابدا حراك شعبي جديد، محدش عاوز يعمل حاجة او خايفين يعملوا حاجة، ومنتظرين تدخل إلهي أو من قوى أخرى غيرهم لتحرك الراكد من الأمور.

رغم تدهور أحوال البلاد تماما داخليا وخارجيا، وانخفاض مستوى المعيشة وانخفاض متوسط عمر المواطن بسبب الامراض، وانهيار الاقتصاد، انهيار العملة أمام الدولار، انتشار الامراض، تردي احوال الاطفال وعدم توفر اغذيتهم من البان وخلافه، تردي الحالة الصحية وعدم توفر الادوية والعقاقير اللازمة لمكافحة الامراض المستوطنة، ورغم بزوغ ازمة مياه واضحة وطاحنة، والغضب الشعبي بسبب عمليات التهجير القسري لبعض السكان وهدم بيوتهم، الا ان السيد الرئيس يبدو راسخا في موقعه كرئيس، وراسخا في موقفه من المعارضة والتغيير، وطبعا أنا باتكلم عن دولة زيمبابوي الأفريقية الشقيقة، انت فهمت ايه حرام عليك شكلك عاوز تحبسنا.

الدولة اصبحت عاجزة عن دفع مرتبات موظفي الحكومة، وخرجت مظاهرات في الشوارع مؤخرا قال عنها الرئيس روبرت موجابي إنها ستفشل مثل الربيع العربي، واتهم المتظاهرين بتعطيل عجلة التنمية الزيمبابوية، وأعلن موجابي بكل حزم أن اللي ها يقرب من زيمبابوي ها يشيله من على وش الأرض.

وعلى عكس صاحبنا فهذا الرجل يحكم زيمباوبوي منذ 1987، بانتخابات تزور في كل مرة وأحداث عنف، بل ربما من قبلها حيث كان رئيسا للوزراء في عهد الرئيس السابق كنعان بانانا الذي تولى الحكم بعد الاستقلال مباشرة 1980، ويبلغ من العمر 92 عاما، في بلد متوسط عمر المواطن فيه 33 عاما فقط، يعني دفعة حسني مبارك الخالدة اللي ما بتموتش، حتى انه كثيرا ما تصدر شائعات عن مرضه ووفاته سخر هو منها وقال ان المسيح مات مرة واحدة اما انا فمت وقمت اكثر من مرة، كما قال أيضا: لن أتخلى عن الرئاسة ما دمت حيا.

وعلى عكس الفيلد مارشال وحسني مبارك العسكريين، فقد كان روبرت جابرييل كاريجامومبي موجابي رجلا مدنيا، ومناضلا ماركسيا من اجل تحرر زيمبابوي من الاحتلال الانجليزي، قضى 11 عاما في السجون، وحصل على ثماني شهادات جامعية في علوم وفنون مختلفة منها البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في التاريخ والادب والاقتصاد والتربية وغيرهم من جامعات مثل جامعة لندن واكسفورد واشيموتا وجنوب افريقيا، وعمل رئيسا للاتحاد الفريقي، وسكرتيرا لحركة عدم الانحياز.

لم يمنع السي في الفخم السابق موجابي من أن يصبح ديكتاتورا على زيمبابوي، يسير بها بخطى حثيثة نحو الهاوية، فليس مسموحا بحملات انتخابية للمعارضة والحزب الحاكم زانو يحكم منذ 36 عاما، والدولار الزيمبابوي الذي بدأ استخدامه عام 1980 وكان يساوي دولارا امريكيا واحدا اصبح الان الدولار الامريكي الواحد يساوي 100 تريليون دولار زيمبابوي في تضخم غير مسبوق في تاريخ الكوكب، متفوقا حتى على انهيار المارك الالماني عام 1924 أثناء جمهورية فايمار.

الصورة المنشورة مع المقال هي لورقة مالية من زيمبابوي فئة 50 بليون دولار، ما تساويش حتى شلن مصري، اعطتها لي صديقة من المعارضة الزيمبابوية في احد المؤتمرات الدولية، وكانت توزع اوراق من تلك كتذكارات من بلدها وسخرية من تردي الوضع الاقتصادي هناك.

حسب موقع اليونسيف تحتل زيمبابوي المرتبة الرابعة في الاصابة بمرض الايدز، حيث ان ربع سكان البلد مصابون بالفيروس، وتحتل زيمبابوي اعلى مرتبة في التاريخ في وفيات الأطفال، وفقد ملايين السكان بيوتهم بسبب سياسات التهجير القسري التي يتبعها موجابي بحجة تطهير العشوائيات ومكافحة السوق السوداء وانتشار الاوبئة، وهو ما يذكرنا بمحاولات اخلاء رملة بولاق وتل العقارب وقلعة الكبش وغيرهم في مصر. ويمنع موجابي وصول الامدادات الغذائية اللازمة لتغذية مصابي الايدز في المناطق التي تنتشر فيها المعارضة لحكمه.
ولنفهم اهمية السوق السوداء في زيمبابوي يجب ان نعرف ان بسبب نسبة البطالة العالية يعمل معظم الشعب بالتجارة الغير شرعية والنصب والاحتيال حتى الموظفين منهم، وكما نسميها في مصر بيعملوا مصلحة أو نحتاية، ويعيش أكثر من نصف الشعب على أقل من سبعة جنيهات مصرية في اليوم.

وبرغم خلفية موجابي الماركسية فقد كان عنصريا ضد القبائل المنافسة لقبيلته خصوصا قبيلة انديبيلي التي قتل منها الكثيرون في مذبحة جوكوراهوندي، قرى بأكملها أبيدت وقدرت المذابح ب 20 الف مدني رجال ونساء واطفال، غير ملايين اخرين يعيشون خارج الحدود خصوصا في جنوب افريقيا المجاورة التي يعيش فيها اربعة ملايين زيمبابوي، وتتصيد عصابات مسلحة المهاجرين على الحدود واصبحت عملية الهجرة من زيمبابوي عملية في غاية الخطورة رغم انها بدون قوارب.

على عكس الزعيم التاريخي جوشوا نكومو مؤسس حزب زابو الذي استطاع حشد كل قبائل الشعب ضد الاحتلال فان موجابي وحزبه زانو الذي انفصل عن زابو، الحزب الوطني الديمقراطي، لأسباب قبلية، كانوا سببا للعنصرية والقبلية في البلاد، وقد كان موجابي يرى في الانديبيلي معارضة لحزبه الزانو ويجب اسكاتهم، وساعدته كوريا الشمالية في مذابحة بتدريب الكتيبة الخامسة سيئة السمعة، طبعا ما الديكتاتورات لبعضيهم، كما انه استخدم تكتيكات الاستعمار من الفترة التي كانت تسمى زيمبابوي فيها باسم روديسيا على اسم سيسيل رودس وهو رجل اعمال انجليزي عمل في مجال استغلال مناجم افريقيا.

يمكنك أن تصوت للمعارضة في الانتخابات في زيمبابوي، خصوصا للام دي سي، لكنهم سيعرفون، وسيخطفونك أو يخطفون زوجتك وتتعرضون للضرب والتعذيب، وبناتك سيغتصبون وسيجبرون الذكور على حمل السلاح والعمل في ميليشيات مسلحة تابعة للنظام، والبعض يختفون قسريا الى الابد.

وقد بلغ الانهيار في زيمبابوي حد انقطاع الكهرباء عن ارقى احياء هراري العاصمة لمدد تصل الى يومين، وحتى لو كنت ثريا ولديك مولد كهرباء خاص فالسولار غير متوفر، وتعيش المدينة حالة انفلات امني مزمنة تبدو بجانبها مدينة جوهانسبيرج عاصمة الجريمة كجنة، عصابات مسلحة تسيطر على الشوارع وتسرق أي شيء وأي شخص ولا تستطيع الشرطة، التي تعتاش من الرشوة والفساد، او لا تريد السيطرة عليها، خروجك من بيتك او منطقتك يعرضك للخطر.

لقد كانت منطقة شلالات فيكتوريا مزارا سياحيا عالميا، لكنها الان اصبحت منطقة مهجورة ومخيفة وخطرة، لا يزورها السياح الا من حدود زامبيا، وكذلك حديقة ماتوبو الوطنية وكثير من المزارات السياحية الطبيعية الغنية بالغابات والحيوانات، كل هذا اهمل في عهد موجابي واصبح مهجورا رغم انه قد يكون مصدر دخل عظيم للبلاد، وتضع زيمبابوي أجهزة تنصت على الاجانب في سيارات الأجرة السياحية.

وبرغم مرور نهر الزامبيزي رابع اطول انهار افريقيا بدولة زيمبابوي الا ان البلاد تعاني ازمة مياه شرب رهيبة، فالمياه ملوثة بالملاريا التي يموت بها الالاف وتختلط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، ويضطر الاهالي حتى في هراري العاصمة لحفر الابار التي تلوثت مياهها ايضا بالصرف وتسبب الامراض، وليس الزامبيزي هو النهر الوحيد في زيمبابوي فهناك انهار بانجوي وبوزي وسايف وليمبوبو وروافدهم وتفرعاتهم وبحيراتهم، وبرغم كل هذا الخير تستورد زيمبابوي 80 في المائة من غذاء الشعب، الى جانب مناجم ذهب وألماس فقط في يد الطغمة الحاكمة، انه الفساد يا سادة وسوء الإدارة.

وروبرت كاريجامومبي موجابي رجل وطني وليس عميلا للغرب، بل حرص على أن يقطع الغرب إعاناته للبلاد، وله سياسات مناهضة للمثلية الجنسية، لأنه ولد كاثوليكيا وتربى وتعلم في مدارس الرهبان الجيزويت، منها قانون يمنع الرجل من أن يحتضن رجلاً أو يمسك يده أو يقبله، لكنه في نفس الوقت عرض على باراك أوباما الزواج منه.

هذا الرئيس كان يرفع مرتبة ومرتبات مساعديه ورجاله بنسبة 200 في المائة، بل إنه بلغ من النتانة أن أعلن رئيس بنك زيمبانك عن كسب الرئيس موجابي لليانصيب الوطني للبلاد عام 2000 في سحب شفاف، حيث قال مدير البنك إنه لم يصدق عيناه أن الاسم الفائز كان اسم الرئيس، وهنا استحق لقب النتن مثل رئيس أفريقي آخر أطلق عليه أحد قادته في الجيش هذا اللقب، بس فعلا يا جماعة احنا الحمد لله مش ها نبقى زي سوريا والعراق، عاوز اقول لكل المتفائلين اللي بيقولوا مش ممكن الاوضاع تسوء عن كده في مصر لان مافيش اسوأ، لا فيه أسوأ زي مانتم شايفين، احنا رايحين على زيمبابوي يا جماعة، هانعمل ايه؟

بدأت هذا المقال بنية القلش والتهريج وعقد مقارنات ومقاربات فقط بيننا وبين زيمبابوي، ما قرأته عن زيمبابوي واستعنت به والأفلام الوثائقية التي شاهدتها عن جرائم موجابي تركتني بغصة في حلقي ودمعة في عيني وقلق من المستقبل.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".