ANP - راقصة باليه

هبة الله شعبان تكتب: راقصة باليه شارع فيصل تواجه البوركينى

فى شارع فيصل الموازى لشارع الهرم بالجيزة والمشهور بازدحامه الشديد، توقف احدى الفتيات حركة السير وتؤدى ببراعة احدى رقصات الباليه، فى  مشهد لا يتناسب  مع طبيعة المنطقة الشعبية. الغريب ان المارة لا يعترضون عليها وإنما يلقون عليها عبارات التشجيع ،فيما يلتقط آخرون صورا لها أو يسجلون ما تقوم به عبر هواتفهم النقالة؛  وسرعان ما انتشرت مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الإجتماعى مع تعليقات أكثرها مؤيد.

يستحضر هذا  المشهد فى ذهنى مشهدا مشابها من تاريخ مصر الحديث رغم ما يفصل بين المشهدين من عاملي الزمن والتحولات الاجتماعية؛ حين خلعت السيدة هدى شعراوى حجابها  فور عودتها من باريس مطلع القرن العشرين إيذانا بما اعتبره الكثيرون "عصر تحرير المرأة الشرقية".  وإذا كان موقف هدى شعراوى بداية لتحرير  المرأة المصرية فان  راقصة الباليه فى شارع فيصل الشعبى بداية لإنقاذ  ما تبقى من حريتها التى أهدرتها ثقافة تلونت بلون النفط الخليجي، و جاءت  مبادرة فتاة الباليه من مجموعة من الشباب هدفها الإرتقاء بالذوق العام،  والدعوة للحرية والنظر للمرأة ليس باعتبارها أداة للإثارة؛ بل منبعا  للفن والرقى والجمال، ويعتبر ما لاقته الفتاة من إعجاب الحاضرين، عرضا واضحا لحالة العقل الجمعي للمصريين؛ في مجتمع  يبدو  شديد التناقض  وشديد  الإنصهار فى آن واحد، مجتمع ترى فى شوارعه المحجبة والمنتقبة إلى جوار السافرات. مجتمع لا يبالى بمدخنات النرجيلة على المقاهى أو يلقى عليهن نظرات الاستهجان والاحتقار.

 وما قامت به راقصة الباليه في شارع فيصل أتى بالتوازي مع ظهور مشاهد متناقضة مع الأفكار الوهابية التى حملها  العائدون إلى مصر بعد سنوات عملهم  بدول الخليج العربية، حيث تراجع اقبال المراهقات على ارتداء الحجاب وإعلان أخريات عن تخليهن عنه بعد ارتدائه لفترة طويلة، وانتشار الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعى التى تدعو إلى خلع الحجاب ومنها على سبيل المثال  صفحة "الحجاب ليس فريضة" وصفحة "سافرات مصريات"، إضافة إلى نقاشات على هذه المواقع تذكر الجيل الجديد من الفتيات المصريات بأن الحجاب ظاهرة ارتبطت بالطفرة النفطية في سبعينات القرن الماضي، ولم تكن من إفرازات الثقافة المصرية، بالإضافة إلى نشر صورة قديمة لزوجات مشايخ الأزهر بلا غطاء للرأس، للتدليل على ان الحجاب ليس من صحيح الدين، وبداية  لأفول نجم الداعية عمرو خالد الذى اعتبره كثيرون السبب الرئيسى فى اقتناع بنات الطبقات الوسطى فى مصر بارتداء الحجاب.

كما كثرت على مواقع التواصل الاجتماعي كتابات "نسائية" حول موضوعات شديدة الجرأة لم يكن ممكنا طرحها  حتى وقت قريب ، مثل جدوى العذرية والختان، وظهرت البرامج التلفزيونية التى تتحدث بجرأة عن المشكلات الجنسية وتتلقى استفسارات  يمكن وصفها بالصادمة.

 وفى مثل هذا المجتمع الذى يحمل تناقضات  نجد  حرب البيكينى و البوركينى  التى إنتقلت لمصر بوضوح مع أولمبياد ريو دى جانيرو التى أقيمت مؤخرا، حيث حرصت اللاعبات المصريات على التمسك بإرتداء البوركينى خلال المسابقات ،  وهو ما إعتبره البعض عدم إحترام لأصول وتقاليد اللعبة ؛ فيما أيدهن آخرون لما اعتبروه نوعا من الالتزام بالزي الإسلامي.

راقصة باليه شارع فيصل تركت بصمتها على طريق إعادة الثقافة المصرية للطريق الذى سار عليه رفاعة الطهطاوي وهدى شعراوي وقاسم أمين والتخلي عن 40 عاما من انحراف عن هذا الطريق إلى ثقافة دول النفط.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".