محمد ربيع يكتب: عن المحرر

كنت أتمنى أن أصبح كاتبًا في يوم ما، أما أن أصير محرِّرًا أدبيًا ففكرة لم تخطر لي على بال.

بالطبع قرأت عن المثال المعروف: عزرا باوند يحرِّر قصيدة تي. إس. إليوت الأشهر "الأرض الخراب"، فيحذف نصفها! وكانت النتيجة عملًا رائعًا يُعد اليوم من أهم ما كُتب بالإنجليزية. ثم قرأت عن ماركيز، الذي قام محرِّر الترجمة الإنجليزية لروايته الشهيرة "مئة عام من العزلة" بحذف وتعديل وتحريك فقرات كثيرة، وكانت النتيجة نجاحًا مدويًا للترجمة الإنجليزية، حتى إن ماركيز قال إنه راضٍ تمامًا عن عمل ذلك المحرِّر.

"الخلاص حلمٌ بأن تصبح القراءة جزءًا من حياة الناس في بلادنا فنتذوّق الإبداع والقيم الحضارية والمعرفة التي صنعت عظمة الأمم"

مهمة المحرِّر سحرية، هو شخص يقرأ كثيرًا لكنه ليس بالضرورة كاتب، له حس نقدي، لكنه لا يكتب النقد، يمكنه إعادة صياغة الجملة لتصبح أكثر تماسكًا، لكنه ربما لا يستطيع كتابة جملة متماسكة من أول محاولة، وهو بالتأكيد يستطيع تحريك ونقل فقرات وفصول من أول الكتاب إلى آخره أو منتصفه، ويستطيع انتقاد شخصية ضبابية في الرواية، أو حذف بعض الجمل لجعل شخصية أخرى أقل لمعانًا، أو ربما حذف شخصية بالكامل إن رأى أن وجودها غير مريح، لكنه قد لا يستطيع كتابة رواية واحدة.

هذا ما كنت أعرفه عن المحرِّر، لكن الواقع يحمل الكثير من التفاصيل. في العالم العربي تبدأ الحكاية من النهاية، فمتوسط عدد النسخ المباعة من أي كتاب لا يتعدَّى الألفي نسخة، وهو ما يعني أن الناشر قد لا يربح جنيهًا واحدًا إلا بعد بيع الألف الأولى، وسيربح ربحًا طفيفًا بعد بيع الألف الأخرى، من هنا سأكتشف أن عمل المحرِّر العربي "يختلف" تمامًا عن عمل المحرِّر الأجنبي.

في دور النشر الأجنبية الكبيرة - الأمريكية على سبيل المثال - ستجد عدة محرِّرين، تتنوع مهماتهم كثيرًا، لكنها في النهاية تتشابه بالنسبة لغير الخبير. هناك من يقرأ النص فور إرساله إلى الناشر، وهو الذي يقرر - بالاشتراك مع آخرين - إن كان من المفضّل أن يُنشر أم يجب الاعتذار عن نشره، ثم هناك من يتصل بالكاتب كي يقيم معه علاقة صداقة مؤقتة، تبدأ حينما يسمح له الكاتب بالعمل على النص، وتنتهي حين يُنشر الكتاب بالفعل، وأقول إنها علاقة صداقة لأنها أكبر كثيرًا من علاقة عمل، فالمحرِّر عليه أن يقنع الأب/المؤلف بتغيير لون بشرة ابنه، ولون شعر رأسه، وزيادة وزنه قليلًا، وربما حلق لحيته - إن كان للابن لحية - وهكذا يحاول المحرِّر تغيير هيئة فلذة كبد المؤلف، الأمر الذي قد يراه المؤلف المبتدئ تدخلًا مرفوضًا في تفاصيل حياة ابنه الحبيب.

ثم هناك من يراجع النص المترجم على النص الأصلي، وهناك من يراجع سلامة اللغة وعلاقتها بالنص نفسه، ومن يطَّلع على النص وعينه على المفاتيح التي تجعل الكتاب على رفوف الكتب الأكثر مبيعًا، وإذا لم يجد أيًا منها فعليه أن يحاول إقامة علاقة صداقة أخرى مع الكاتب، فقط كي يضع مفتاحًا أو اثنين هنا أو هناك. هل تلك مهام كثيرة؟ بالطبع هي كذلك، الكتاب المنشور خارج وطننا العربي الحبيب يبيع عدة آلاف من النسخ، وربما وصل العدد بسهولة إلى مئات آلاف النسخ، وهذا العدد الكبير يسمح بزيادة عدد المحرِّرين في دار النشر، وبالتالي يسمح بتخصُّص دقيق في كل خطوة من خطوات إنتاج الكتاب. وإذا كنّا نبيع ألفًا أو ألفي نسخة فقط؟ نعم، هذا صحيح، على محرِّر الناشر العربي أن يقوم بكل تلك المهام منفردًا!

وهذا بالفعل ما أقوم به الآن في دار التنوير فرع القاهرة، مهمتي تبدأ من فتح صندوق البريد الإلكتروني، والاطلاع سريعًا على ما يُرسل إلينا من خلاله. يصلنا تقريبًا كتابين كل يوم، وهو ما قد يشير إلى أن حال الكتابة بخير في العالم العربي، لكن الظنون غذاء الحمقى، ما يُرسل إلينا عبر بريدنا الإلكتروني متواضع المستوى، وأستطيع أن أقول بثقة إننا ننشر أقل من واحد في المائة مما يصلنا. بالطبع ذلك شيء حزين جدًا، لكنه أيضًا شيء مضحك أن نقرأ رسالة أحدهم، يتحدانا فيها أن ننشر كتابه، الذي يفضح مؤامرات جهة غير معلومة على البشرية، والذي - في الوقت نفسه - يضع خطة لنهضة البشر كافة، فضلًا عن أنه يطالبنا بحقوقه المالية قبل طباعة وتوزيع الكتاب. هناك أيضًا الكاتب الذي يُرسل رسالة كل يومين، فقط ليعرف رأينا في ما أرسل! وهناك الشاب الذي كتب كتابًا عن الأخلاق - الأخلاق يا مؤمن! - وهو لم يبلغ الخامسة عشر من العمر. وهناك من كتب رواية تشبه عمارة يعقوبيان تمامًا (كنت أظن أن فعلًا كهذا من وحي خيالي، لكن هذه حقيقة بالفعل!) وهو ما جعلني أظن ان المؤلف هو علاء الأسواني لكنه يستخدم اسمًا مستعارًا! هذا هو الجزء الفكاهي في العمل، على الرغم من القلق والضغط النفسي اللذين يسيطران عليَّ كلما فتحت صندوق البريد ذاك.

أقوم بإرسال الأعمال الجادة إلى لجنة القراءة، ثم تأتيني الموافقة على نشر أعمال بعينها من اللجنة (هي لجنة سرية، ولا معنى لسؤالي عن أعضائها) ثم عليَّ أن أقرأ الكتاب كاملًا، وأن أنتبه لكل جملة ولكل كلمة، عليَّ أن أبحث عن الجمل الركيكة التي تتسلل ببراعة بين السطور، وعن الكلمات الغامضة والمستغلقة التي تخادع المؤلف وتظهر من حين لآخر، وعن تلك الكلمات العامية التي يضطر الكاتب للاستعانة بها حينما تستسلم حصيلته اللغوية الفصيحة. كذلك عليَّ أن أنتبه لكلمات ليست عامية، لكنها خاصة بمصر فقط أو بدولة عربية بعينها، هذه سأستشير المؤلف في استخدام بديل إن كان الكتاب عملًا أدبيًا، لكني سأطلب منه استبدالها إن لم يكن كذلك. ثم هناك الاطلاع على عمل المصحِّح اللغوي، وتجاهل توصياته إن كنتُ أراها مجرد رأي لا يتعلَّق باللغة حقًا، أو إذا استخدم قاعدة نحوية أجازها مجمع اللغة العربية في مصر فقط (مراجعنا مصري).

وهناك المحاولة الأبدية لوضع "كتاب أسلوب" يحوي كل القواعد التي نسير عليها في الدار، وهي في مجملها تصحيح لأخطاء شائعة، وتحديد لقواعد بعينها مشهورة ومجازة في معظم العالم العربي. بالطبع لا يمكنني إهمال رأي المحرِّر الرئيسي للدار الأستاذ حسن ياغي، وهو محرِّر مخضرم، محظوظ من يعمل تحت يده. فهو الذي يتلقَّى الكتاب بعد إتمام عملي، ويقوم - بقدرة غير بشرية - باكتشاف أخطاء كثيرة مرَّت عليَّ، أكاد أجن! كيف مرت جمل سخيفة كتلك من دون أن تجرح عيني؟ لذلك، العمل الجماعي هو ما ينقذ الكتب من الأخطاء التي تبقى أدلة تقصير إلى الأبد. وفي أغلب الأحيان نعمل جميعًا، أنا وحسن ياغي والزميلان رشا عودة وجوزيف رزق، على التدقيق ومراجعة النصوص المترجمة مع النصوص الأصلية.

هناك أيضًا الكاتب الذي يغضب كثيرًا إن طلبنا منه تعديلات بعينها في ما كتب، هناك من يغضب إذا أخبرناه أن كتابه جيد لكن أحدًا لن يشتريه، وهناك من يقبل عملي كمحرِّر، لكنه يقف وقفة جادة عند كلمة واحدة ويرفض أن يغيرها. لكن هناك أيضًا من يشكرني لأني قرأت كتابه بعناية وتركيز، واكتشفت أخطاء لا يعلم كيف حدثت. كلمات هؤلاء الشاكرة هي ما يجعل لعملي قيمة حقيقية.

المحرِّر شبح، جندي غلبان مجهول، يعمل ولا يُكتب اسمه على الكتاب، يشترك مع الناشر في ترفعه عن الإشارة والذكر، كلنا نعرف أسماء شكسبير وفولتير وروسو، كلنا قرأ ساراماجو وماركيز ويوسا، وكلنا رأينا كتب تولستوي ودوستيوفسكي، لكن من حرَّر أعمالهم؟ من قرأها ونصحهم بتغيير أو حذف أو إضافة؟ بل من نشر أعمالهم أول مرة؟

لكن المشكلة التي ستواجه المحرِّر في العالم العربي هي عدم وجود قواعد لهذا العمل، لن يُدرّس هذا العلم في الجامعة، ولن تجد كتبًا تشرح تفاصيله وخطواته، لكنك بالتأكيد ستجد محرِّرًا يشرح لك كل شيء من واقع خبرته السابقة.

في إحدى المرات، قال لي حسن ياغي، إنه يود أن يخرج الكتاب للقارئ في أفضل صورة ممكنة. تعجَّبت كثيرًا لأنه قال الجملة بوَلَه حقيقي، وكأن هذا مراده وهدفه في الحياة، وكأن لا شيئًا آخر يعنيه. في تلك اللحظة تعلَّمت أيضًا أن هذا عمل لا يمكن القيام به إلا إذا كنتَ سعيدًا وراضيًا تمامًا عنه، أنت لا تقرأ بعينك، بل تقرأ بعين شخص ابتاع الكتاب ويريد أن يستمتع بقراءته في وقت فراغه، عليك أن تأخذ حذرك فلا تغضبه، بل عليك أن ترضيه، عليك أن تجمِّل النص والكاتب والكتاب في عينه، عليك أن تفعل كل هذا وتلقي برأيك في الزبالة. نعم، مهما كان ذوقك الشخصي فلا أهمية له، وما تفضله من أعمال قد لا يكون صالحًا للنشر، وما تفضله من كتب أجنبية قد لا يكون مناسبًا لقارئنا العربي، هذه هي القاعدة المقدَّسة التي لا يمكن تجاوزها أبدًا.

أسوأ ما في هذه المهنة أنها تغيِّر عادات القراءة، الزميلة رشا تغيَّرت كذلك، إذا أخبرتها أن كتابًا مترجمًا صدر تسألني: هل الترجمة جيدة؟ ولا أزال أقول لها إن سؤالها ذلك أحد مصائب مهنتها، وأن القارئ قد لا يهتم بجودة الترجمة كثيرًا، بل قد يرى أن تلك الترجمة جيدة بينما نراها نحن سيئة، والعكس صحيح، لا أزال أقول لها ذلك، وهي لا تزال تسألني عن جودة الترجمة، ومتوسط عدد الأخطاء في الصفحة.

لم أعد أقرأ للمتعة فقط كما كنتُ أفعل، بل تجري عيني على السطور لتبحث عن اللافت في النصّ، أو لتتوقف عند جملة ما لأقوم بتعديلها أو إعادة صياغتها، أو أصحّح الأخطاء على أنواعها. وهكذا تذهب متعة القراءة الخالصة، القديمة، ويظل الشخص أسيرًا لعادات العمل من دون أمل في الخلاص. لأن الخلاص حلمٌ بأن تصبح القراءة جزءًا من حياة الناس في بلادنا فنتذوّق الإبداع والقيم الحضارية والمعرفة التي صنعت عظمة الأمم... خلاص يؤسفني أن أقول إنه بعيد عنّا، بل ربما يزداد ابتعادًا هذه الأيام.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".