ويكيميديا - ويكيميديا

طارق أبو عبيدة يكتب: اختراع البوليس

إذا رأيتم شرطيا نائما عن صلاة فلا توقظـوه، فإنه يقوم يؤذي الناس **

”بوليس جامعي لجامعة الخرطوم بصلاحيات تخول له استخدام السلاح ضد الطلاب“ هكذا طالعتنا صحيفة المجهر السياسي السودانية دون رحمة بهذا العنوان الصادم  في صدر أخبارها.  أعلن مجلس إدارة الجامعة قراراً بإنشاء البوليس الجامعي وتسريح الحرس الجامعي القديم، وأضاف المجلس أن اختيار البوليس خضع لمواصفات تتعلق بالبنية الجسمانية العالية لمنسوبيه حسماً للعنف الطلابي بالجامعات. وكشف عن توجيهات للبوليس الجامعي باستخدام السلاح والقوة المفرطة إن أستدعى الأمر تجاه المتظاهرين. وصرح  اللواء شرطة "مزمل محجوب" مدير شرطة تأمينات الجامعات، قائلاً ” إن القانون كفل لهم التدخل  بدءً من العنف اللفظي ضد الطلاب وحتى إطلاق الذخيرة الحية عليهم“.

جامعة الخرطوم، أقدم الجامعات السودانية وتعتبر من الجامعات العريقة في أفريقيا والشرق الأوسط، تقع في مدينة الخرطوم على شاطئ النيل بالقرب من القصر الجمهوري الذي يُحكم منه السودان منذ الاستقلال، كانت ومازالت رأس الرمح في التغيير السياسي. تندلع منها أُولي شرارات التغيير لأنظمة الحكم العسكرية. قدمت الجامعة القرشي شهيد ثورة أكتوبر التي أطاحت بحكم الفريق عبود، ايضاً قاد طلابها وأساتذتها انتفاضة مارس ابريل التي أطاحت بنظام جعفر النميري وقدمت أربعة شهداء للحركة الطلابية في أول انتفاضة علي النظام الحالي في سنته الأولى 1989.

قرار إنشاء بوليس داخل حرم الجامعة علي غرابته أتى معبراً بشكل جلي عن اتساع دائرة خوف جهاز الأمن و المخابرات - الحاكم الفعلي للسودان - من الانتفاضات الطلابية المتصاعدة ضد النظام بسبب التدهور المريع للجنية السوداني مقابل الدولار وانهيار كامل للاقتصاد والبني التحتية  واشتداد الحنق الشعبي من رائحة فساد منسوبي وحاشية النظام التي أزكمت الأنوف بالإضافة إلي مفاوضات سلام متعسرة مع المعارضة و ضغوط دولية لإحلال السلام ووقف الحرب وفشل إدارة الجامعة الحالية في خلق أرضية تفاهم مع الطلاب قطعاً سيطيح بفرية النظام عن تماسك و اصطفاف الجبهة الداخلية خلفه، إذن كان لابد من تحويل الجامعة إلي ثكنة عسكرية بدلاً عن قلعة للعلم و العلماء.
في مقاله Origins of the police أصل الشرطة و دورها في حماية الرأسمالية، يكتب الاشتراكي "ديفيد وايتهاوس": مؤسسة الشرطة في إنكلترا والولايات المتحدة الأمريكية لم تُخترع في 1825 كردّة فعلٍ على تزايد نسبة الجريمة. اختراع النخب الحاكمة للشرطة الحديثة كان استجابة للتحدّيات التي شكلّها النشاط الجماعي السياسي. باختصار، يمكن القول إنّ السلطات اخترعت الشرطة الحديثة كردّة فعلٍ لقمع تحرّكات جماهير كبيرةٍ شوساء. أعني بذلك - الإضرابات في إنكلترا، وأعمال الشغب في شمال الولايات المتحدة - والخوف من احتمالية تمرّد العبيد في جنوبها. إذًا فاختراع جهاز الشرطة كان ردّ فعلٍ على هذه الحشود لا على الجرائم."

ولست بخالع درعي و سيفي / إلي أن يخلع الليل النهار
إذن حزمت الدولة السودانية أمرها علي رأي ابوليلي المهلهل استمرار الحرب واستبدلت الحرس الجامعي  بشرطة تملك التفويض في إطلاق الرصاص علي الطلاب دون الرجوع لإدارة الجامعة فمن يدير جامعة الخرطوم الآن هو السيد محمد عطا مدير جهاز الأمن والمخابرات لا البروفيسور أحمد محمد سليمان مدير الجامعة المُكلف فأصوات الاحتجاجات الطلابية يجب أن لا تصل إلي مسامع وعيون دونالد بوث - المبعوث الامريكي - الذي يجوب أقاليم السودان هذه الايام مُسوقاً المقترح الأمريكي للسلام.

ـــــــــــــ

(**) الإمام سفيان الثوري 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".