صلاح علي إنقاب يكتب: محمد التاريخي.. اثنان.. ثلاثة.. بل أكثر!

يقول بول فاليري، الفيلسوف الفرنسي: "التاريخ، أكثر الخصائل ضرراً وخطراً بين كل ما عنيت به كيمياء الفكر"، وعندما نتحدث عن الإسلام فإن الحديث عن التاريخ يصبح أمراً لازماً فقط بسبب خطأٍ مقصودٍ ارتكبته المؤسسة الدينية التي جعلت النصوص التاريخية جزأً من النص الديني نفسه، بل في أحايين كثيرة سابقةً له منتصرةً عليه، وهذه باختصار هي قصة الإسلام ضد الإسلام بلغة الصادق النيهوم.

"ابتعدت مؤسسة الفقه عن الله لتتّجه نحو تقديم مبررّاتٍ متناقضةّ عبر أكثر من صورةٍ لمحمدٍ الذي لم يحدث في تاريخ البشريّة أن انتحلت شخصيّةٌ مثلما ناله من انتحال لنصل الى أنّه لا وجود لمحمّدٍ واحدٍّ بل أكثر من محمّد اجتمع حولهم الأتباع كمشجّعي فريقٍ لكرة القدم."

لقد نجح الفقهاء في خلق سورة إنجيليّة للإسلام إذا صح التعبير، فالثورة التي أعلنها القرآن ضد المؤسسة الدينيّة، أعاد الفقهاء صياغتها بصورةٍ مطابقةٍ للصورة الإنجيليّة، في محاولةٍ ناجحةٍ خارج القرآن عبر جعل محمّدٍ نفسه يسوعاً آخر، لكن هؤلاء وقعوا في مشكلٍ يصعب حلّه، هو كون الأناجيل أو الكتاب المقدس لدى مؤسسة الكنيسة هو سردٌ لسيرة حياة عيسى نفسه، بينما القرآن يخلو من أي ذكر لسيرة الرسول، أو كما يقول الباحث هارلد هوتزكي: "من المستحيل أن نكتب سيرة تاريخيّة للنبي محمد من دون أن نُتّهم بأنّنا نستخدم المصادر القديمة بشكلٍ غير نقدي، ومن جهةٍ أخرى عندما نستخدم هذه المصادر بشكل نقدي فإننا نجد بكل بساطة أنّه من المستحيل أن نكتب شيئا من هذه السيرة"، حيث تجاهل القرآن نفسه ذكر اسمه سوى في مرتين يتيمتين بالمقارنة واسم موسى مثلاً الذي ذكر لأكثر من مائة مرة.

ولاجتياز هذه المشكلّة اتجهت مؤسسة الفقه نحو حلٍّ سهلٍّ عبر البحث عن الرسول التاريخي، رغم أنف المعلومة الصادمة أن إيجاد محمد التاريخي هذا مهمةٌ مستحيلةٌ، فلا يوجد مؤرخٌ واحدٌ عاصره يمكن أن يحكي قصتّه، ولنقبل ذلك مع الكثير من الحذر طبعاً كون التاريخ هو ما يكتبه المؤرخ، لا شيء آخر، وهذه مشكلة عويصةٌ أخرى، فالوثيقة الوحيدة التي تعود إلى عصر الرسول مكونة من ثمانية أسطر في ورقة بردي باللغة العربية وُجدت في خربة المرد، وهي منطقة تقع شمال غرب البحر الميت غرب قمران، وحقّقها المستشرق غروهمان سنة 1963 في جامعة لوفان البلجيكيّة، ويرد فيها اسم الرسول مرتين بدون تابعة أو تمجيد من نوع "صلى الله عليم وسلم".  

دون الخوض في حقيقة نصوص سيرة الرسول أو حقيقة سندها كداعم أو نافٍ للقرآن في بعض الحالات، حيث يقول بعض الفقهاء بنسخ السنّة للقرآن على سبيل التعصّب، نطرح السؤال المحوري ونحن نقرأ كتب السنن والأحاديث المنسوبة للرسول، هل هنالك محمدٌ واحدٌ؟ أم أن الأمر مرتبط بانتماء كل طائفةٍ لصاحب الصحيح وإنكارها للآخرين جميعاً؟ وهل محمد لدى الإباضية في مسند ربيع بن الحبيب (80 هـ - 175 هـ) هو محمد لدى السنة في البخاري (196 هـ - 256 هـ) هو محمد لدى الشيعة في الكافي للكيليني (250 هـ - 329 هـ)؟ وكعادة المزوّرين دائماً لا تهم المبرّرات بمقدار أهميّة نجاح المهمّة.    

كل ما يشار الى أنه على صلةٍ مباشرةِ بالرسول في واقع الأمر له علاقة فقط بالمؤرخ الذي كتبه مرتدياً عمامة فقيهٍ حرفته تقديم العلل والمبرّرات لرأيٍّ دون آخر، فالماضي مليءٌ بالألغاز التي لا يمكن حلّها بالتكهنّات، بالإضافة الى أن لاوعي المؤرخ يتدخّل في كتابة التاريخ، ليصبح مجرد مرآة له لا غير، ولا يمكن الفصل عند الحديث عن الرسول بين سيرته وأقواله، فكلاهما إخبارٌ بحالةٍ تاريخيّةٍ مفترضة نُقلت شفهيّاً فقط.

ولدى قراءة كتب الأحاديث المختلفة للمذاهب الثلاثة، الإباضيّة، والسنّية، والشيعية، نكتشف أن هنالك فرقاً واضحاً بين صورة محمد في كل مستندٍ، إذ تجعله كلّ منها شخصاً لا علاقة له بالآخر، ففي الكيليني نجد أن سياق أسلوب حديث الرسول يتّسم بالإيقاع البلاغي المليء بالمسحة الشعريّة، شخصية الرسول عند الكافي تكاد تكون مطابقة لشخصيات شعراء المرحلة الوسيطة للدولة العباسية وأدبائها، كقوله : "نعم الولد البنات ملطفات، مجهزات، مؤنسات، مباركات، مفليات". وهذا سياقٌ يوصل إلى محمدٍ آخر في حال مقارنته بما نُسب له في صحيح البخاري بلغةٍ جافةٍ صارمةٍ تخالف المعنى أيضاً في قوله: "الشؤم في ثلاثة، الفرس، الدار والمرأة". ويرد أيضاً عند الكافي بلغةٍ شاعريّةٍ مفرطةٍ أيضاً : "خرجت والمرأة تمخض فأخبرت أنها ولدت جارية، فقال له النبي : الأرض تقلّها والسماء تظلها، والله يرزقها وهي ريحانة تشمها، ثم أقبل على أصحابه فقال : من كانت له ابنة فهو مفدوح، ومن كانت له ابنتان فيا غوثاه بالله، ومن كانت له ثلاث وضع عنه الجهاد وكل مكروه، ومن كان له أربع فيا عباد الله أعينوه، يا عباد الله أقرضوه، يا عباد الله ارحموه".

وعندما حاول الفقهاء إلصاق القرآن بالتاريخ جعلوه حاكماً عليه غالباً له، ووقعوا في فوضى أسموها "أسباب النزول"، لنقرأ عن تعليلهم لتاريخانية "آية الإفك" أنّها نزلت كما يقول السنّة في  اتّهام زوجة الرسول عائشة عند البخاري (196 هـ) بالخيانة معصفوان بن المعطل، ليقول الشيعة أن نفس الزوجة عائشة  عند غُرر الفوائد للشريف المرتضى (335 هـ) هي التي اتهمت زوجة أخرى ماريا القبطية بالخيانة مع مأمور القبطي وهذه عائلة محمّدٍ آخر.  

فصورة الرسول في كتب الأحاديث والتي تحاول تأريخ أقوال الرسول بدون تسلسل زمنيًّ واضح في عشوائيّة تقدم فقط صورةٌ تبريريّةٌ جافّةً، لتقدم الإجابات لأسئلةٍ مستحيلةٍ دون انحيازٍ صارمٍ، فعندما اختلفت القوى السياسيّة في مرحة التدوين حول مسألة حدود طاعة السلطة مثلاً قال الرسول في البخاري: "اسمع وأطع وإن جلد ظهرك وأُخذ مالك وأن كان عبداً حبشياً رأس زبيبة"، ما خالف ما يرد عنه في الحبيب عند الإباضية بقوله : "سيكون من بعدي أمراء يقرأون كما تقرأون، ويفعلون ما تُنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة". وأيضاً عندما اختلف أهل الكلام في مسألة تفسير الشفاعة قال الرسول عند البخاري أيضاً أنه سيدخل من أهل النار الجنة قوم يسمون "الجهنميّين"، بينما قال عند الحبيب أيضاً أنه : "ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، وهذا محمّدٌ آخر، وباستخدام لغة الفقهاء، هذا وحيٌّ آخر.

لقد أتى المسيح منطلقاً من نتائج مغلوطة وصلت لها اليهوديّة محاولاً إصلاح الأمر، وأتى القرآن ليصلح ما فعلته الكنيسة بأن قدمت صورةً مشوشّة عن فكرة العلاقة بين الله والمسيح نفسه، ليعلن أن الناس جميعاً هم أبناء الله وفق اللغة الإنجيليّة نفسها، أو كما قدم القرآن: "وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي" - الحجر 29، لكن مؤسسة الفقه ابتعدت عن الله لتتّجه نحو تقديم مبررّاتٍ متناقضةّ عبر أكثر من صورةٍ لمحمدٍ الذي لم يحدث في تاريخ البشريّة أن انتحلت شخصيّةٌ مثلما ناله من انتحال لنصل الى أنّه لا وجود لمحمّدٍ واحدٍّ بل أكثر من محمّد اجتمع حولهم الأتباع كمشجّعي فريقٍ لكرة القدم.