حسين الوادعي يكتب: نقاب ولحية وحجاب.. معركة مستمرة على جسد المرأة وروحها

كانت مشاهد النساء في المناطق السورية المحررة من قبضة داعش وهن يحرقن النقاب في الشوارع مليئة بالمشاعر والدلالات.

ظلت الصورة الذهنية الأشهر لخلع النقاب هي صورة صفية زغلول وهدى شعراوي وهن يخلعن النقاب وسط ميدان التحرير عام 1923 و ويقدن موجة هائلة لتحرير المرأة من قيود التقاليد والحجاب بالمعنى الواسع للكلمة (حجب المرأة عن المشاركة في الحياة العامة).

وعلى عكس هدى شعراوي التي أثار خلعها للنقاب جدلاً بين مؤيد ومعارض ومتخوف، كانت أغلبية ردود الفعل تجاه نساء مدينة منبج وهن يحرقن النقاب وابتسامة الفرح بالحرية تملأ وجوههن ردوداً متعاطفة وايجابية حتى من اليمين الديني.

لم يكن المشهد في سوريا لامرأة واحدة أو امرأتين من نخبة المجتمع، بل لعشرات النساء من طبقات المجتمع الفقيرة والمتوسطة التي تعرضت للسحق الاجتماعي والذهني والاقتصادي لداعش.

لكن تلك المشاهد لم تقد أى ثورة جديدة لتحرير المرأة. فقريباً جداً على الحدود الجنوبية لسوريا تجبر الحكومة السعودية النساء على ارتداء النقاب، وشرطة الفضيلة جاهزة جداً لمعاقبة كل من تكشف وجهها.

وفي حين كانت المرأة السورية تحرق نقابها في الشوارع، كانت نساء مسلمات في أوروبا يدافعن عن "حريتهن" في ارتداء النقاب.

لكن هل ارتداء النقاب فعلاً "حرية شخصية"؟

إن الدافع الرئيسي لارتداء النقاب هو الدافع  الديني. فعندما يتم إقناع المرأة أنها ستكون خاطئة لو خلعت نقابها، ومغرية لو كشفت وجهها، وفاتنة لو أبدت زينتها لن يكون أمامها خيار إلا ارتداؤه خوفاً من العقاب الأخروي.

لكن هناك عقاب دنيوي أشد تأثيراً على المرأة في قرار لبس النقاب (أو الحجاب) وهو العقاب المجتمعي. شهدت مدينة  عدن قبل أربع سنوات تقريباً حوادث إلقاء الأسيد الحارق على وجوه الفتيات اللواتي يكشفن وجوههن. نفس الحوادث وفي نفس الفترة طالت النساء في إيران اللواتي لا يرتدين الحجاب "بشكل صحيح"!

لنعد إلى الوراء أكثر..

في ثمانينات القرن الماضي كانت المرأة في صنعاء قد بدأت تتخلى تدريجياً عن النقاب والحجاب. لكن أفراداً يتبعون جماعة إسلامية معروفة بدؤوا بإلقاء الأسيد على سيقان النساء اللواتي يرتدين الجوارب الجسمية بدلاً من البنطلون التقليدي.

"جهاد الأسيد" ظهرت نسخته البدائية في الإسماعيلية على يد الإخوان المسلمين عندما كان أتباع حسن البنا يرمون قناني الحبر على وجوه وثياب النساء اللواتي لا يلتزمن بالزي الإسلامي. تطورت قناني الحبر بعد ذلك إلى علب الأسيد الحارق مع صعود موجة الإسلام السياسي.

المشهد غرائبي ومركب وساخر في أوروبا. ففي حين تقتضي مبادئ الدولة العلمانية عدم فرض لبس معين على الناس، فإن النقاب بحد ذاته رمز مضاد للعديد من القيم العلمانية مثل حرية المرأة واستقلاليتها واندماجها مع المجتمع، بينما يشكل الحجاب في المدارس استعراضاً للهوية الدينية في مكان يفترض أن يظل علمانياً صرفاً.

من الناحية الأولى يشكل النقاب والحجاب أيضاً رموزاً للسيطرة الدينية والاجتماعية الذكورية على جسد المرأة. ومن الناحية الأخرى يبدو حظر نوع معين من اللباس تناقضاً مع قيم الحرية الشخصية التي تضمنها العلمانية!

نستطيع القول إن لباس المرأة "حرية شخصية" فقط عندما يكون القرار كاملاً بيد المرأة لا بيد الأسرة أو الجامع. لكن عندما ترتدي المرأة ما ترتدية خوفاً من العقاب الديني أو العقاب الدنيوي فهذه ليست حرية.

فعودة الحجاب اليوم رمز للإسلاموية كايديولوجيا سياسية (الاخوان والسلفيين والقاعدة وداعش) وليس رمزاً للإسلام كدين كان قد استوعب أشكالاً أكثر تحرراً للتدين من بينها التخلي الكامل عن الحجاب.

تفننت داعش في قمع جسد الرجل وحركته أيضا. وكما أحرقت النساء نقابهن اندفع الرجال إلى دكاكين الحلاقة لحلق لحاهم التي فرضها داعش كسلوك ديني.

نفس هذه المهمة قامت بها الحركات الإسلامية باستخدام "العنف الرمزي" جاعلة اللحية والثوب زياً إسلامياً مستحباً أو مفروضاً للرجل مثله مثل الحجاب والعباية للمرأة.

ترى بعض المحجبات أن الحجاب أو النقاب رمز لامتلاكها لجسدها. لكن الحقيقة قد تكون مختلفة.

فتغطية الشعر والجسد مرتبط وجوداً وعدماً بمفهوم "العورة". مفهوم أن المرأة كائن "ايروتيكي" مثير للشهوة والفتنة والإغراء. وأن جسد المرأة ملك لعائلتها عليها أن تحافظ عليه مغلفاً وسليماً حتى يتم تسليمه لمالكه الأخير: الزوج.

في الفيديو الشهير الذي تقبض فيه هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على فتاة سعودية لم ترتد النقاب يتدخل أحد المارة ليصفع الفتاة حتى يسقطها على الأرض. هذا هو مفهوم الحجاب: جسد المرأة ملك للمجتمع والحفاظ على تغطية المرأة مهمة جميع الرجال.

هناك معركة عالمية على جسد المرأة المسلمة لأنه الجسد الوحيد الذي لم يتحرر بعد.

وحتى يتحرر سيظل ساحة لمعاركة لا تنتهي حول جسدها وروحها.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".