مايسة سلامة الناجي تكتب: نصيحة لوجه الله إلى بنكيران حول "عُشبة" الكيف

أينما ذهب كاتب الرأي للعطلة والاستراحة، يجد نفسه، غصبا عنه، يشتغل حينما يحمله الأهالي والساكنة "العار" كي يوصل أصواتهم ومعاناتهم. وعليه، لي نصيحة لبنكيران بدون لف ولا دوران: بنكيران لا تقترب من الشمال وخاصة المناطق الجبلية والريف لأنهم سيقذفونك بالحجارة.

عانى مغاربة المنطقة في عهد الحسن الثاني رحمه الله الأمرين. والكل يعلم توالي الأحداث منذ الأزمة الاقتصادية الخانقة التي ضربت المغرب  في ثمانينيات القرن الماضي على إثر السياسة الخاطئة التي نهجها الحسن الثاني رحمه الله بصرف أموال الشعب المغربي على الحرب في الصحراء، ما أخل بتوازن الاقتصاد الوطني وأدى إلى ارتفاع الدين الخارجي وفرض على المغرب "التقويم الهيكلي" برفع أسعار المعيشة ـ وما أشبه الأمس باليوم ـ عانى منه الفقراء خاصة في البوادي والأرياف.. وكانت النقطة التي أفاضت كأس أهل الشمال والريف فرض ضريبة عام 1983 لدخول مليلية، المنفذ الوحيد آنذاك لأهل الناظور (باب الشمال) من الأزمة الخانقة بالتهريب من ونحو إسبانيا، ما أدى إلى أحداث 19 يناير 1984 انتفاضة أولاد المدارس التي لحقتها اعتقالات بالجملة ثم انتفاضة شعبية.. وخطاب الحسن الثاني رحمه الله الشهير واصفا أهلنا هناك ب"الأوباش".

أهل الجبل والريف أكثر ثورية منك بل قد يعلمونك الانتفاض على التحكم والدولة العميقة والظاهرة منها.

وكان العقاب أن عجلة التنمية وقفت، لا مستشفيات بنيت ولا مدارس ولا استثمارات.. وإن كان المغرب عامة عانى في نهاية ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي هول البطالة، ولم يبق بيت مغربي إلا هاجر منه شاب سواء بشكل موثق أو بشكل سري نحو "إلدورادو" أوروبا وأمريكا، فقد كان لشباب المنطقة من "الحريڭ" النصيب الأوفر. ويحكى أن الفقر بلغ أشده والناس حفاة عراة جياع قبل رواج تجارة العُشبة كما تسمى هناك ـ أو الكيف، والتي أي نعم اغتنى منها كبار البزناسة حد الفحش في الثراء، وكان للفلاح البسيط نصيب من الخبز والسكن والملبس.. أخرجت الناس من الفقر المدقع والحرمان الشديد نحو مستوى معيشي متوسط.. ادخر البعض شيئا من المال لأعوام الجوع والقحط والجفاف كهذا العام، ولأعوام الزيادات و"التقويم الهيكلي" وتوصيات صندوق النقد الدولي كولاية بنكيران ـ ولربما من يليه بما أن لا حزب سيقدر على الخروج من هذه التوصيات ـ وادخروا أيضا لأعوام تشديد المخزن على التهريب، كما حصل في العامين الماضيين، حيث ربط تهريب الكيف بجرائم الإرهاب. حيث يخرج أهلنا بالجبال والريف بعضا من المتوفر لديهم ـ وأتحدث هنا عن الناس البسطاء ـ لإنقاذ أنفسهم من الجوع والنسيان.

أي نعم حدثت المصالحة في عهد محمد السادس، بينه وبين شباب المغرب عامة بسياسة الانفتاح على الاستثمارات الخارجية والخوصصة، ودخول مراكز الاتصالات وفرص عمل بالشركات الخاصة قلصت نسبة الهجرة السرية، ومع أهل الشمال والريف خاصة بإحداث هيئة الإنصاف والمصالحة لإنهاء الغضب الريفي من المخزن، ونقل الاستثمارات نحو الجهات الشمالية والطرق السيارة لربط الأرياف والقرى الجبلية، غير أن سياسة الملك محمد السادس هي الأخرى تسطر الخطوط العريضة "لمنظر" البلد إن صح التعبير، مهملة المستوى المعيشي للفرد.. ولا زال البسطاء هناك كأغلب بسطاء المغرب العميق منسيين يتخبطون مع ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة التي عمت البلد بالقليل المتوفر لديهم يتاجرون بما تنتج أراضيهم.. وماذا تنتج أراضي الشمال والريف يا بنكيران؟ الحشيش شاء من شاء وأبى من أبى هو مصدر الدخل، وغريمك يا بنكيران إلياس العماري يقدم للساكنة هناك حلا واقعيا مغريا بالنسبة لهم، كثير منهم لا يعرفون عنه إلا الريفي الذي سيقنن الحشيش وعازمون على التصويت له بالإجماع، وعدد منهم من المطلعين الدارسين للوضع السياسي المغربي يعرفون عنه مساوئ شتى، يوصف بالعنصري والقبلي ويعرف بأحد كبار البزناسة، ومع ذلك أجندته رائجة ولها قبول، وحتى ونحن سكان "الداخيل" كما يلقبوننا رافضون لهذا الحل إذ لا يصلنا منه إلا دخانه.. لا يهمهم رفضنا من قبولنا، فذلك بالنسبة لهم "بزنيس عائلي"، لدرجة أن بعضهم يرفض وصول الطرقات السيارة داخل مقالعهم حتى لا يطلع على البزنيس أجنبي! يعلمون حجم استثراء البزناسة الكبار منه ولكن يومنون بفلسفة "اللهم نص خبزة ولا والو"، وعلى قدر ما سيزيد من غنى كبار التجار ويضخم ملاييرهم على قدر ما سيوفر للمواطن البسيط مصدر رزق قار.

وأنت ماذا تقترح عليهم يا بنكيران؟ وسؤالي ليس استنكاري وإنما فعلا نصيحة لعلك تعيد النظر... تقترح عليهم حزبا بمرجعية إسلامية في مواجهة العماري محارب الإسلاميين بالله عليك.. أهل الجبل والريف أكثر تدينا منك بل قد يعلمونك الدين على أصوله هم أهل الدين وعلماء الإسلام وجهابذة الشريعة، بل إلى جانب الدين لا زالت العادات طاغية لا تكاد ترى نساءهم في الأسواق، يتاجرون بالحشيش ويستفتون في حرمته.. يبيعونه ويخلون مسؤوليتهم من طريقة استهلاك الزبون سواء استعمله كبنج أو زيت تجميل أو للتدخين هم باعوه وكفى ومباحة أمواله.. لا تبعهم خطاب الدين فسلعتك يابنكيران في منطقتهم بور! ماذا تقترح عليهم أيضا؟ حروبك ضد التحكم التي لا تعلنها إلا أيام الحملة الانتخابية وتنساها وأنت في السلطة بالله عليك... أهل الجبل والريف أكثر ثورية منك بل قد يعلمونك الانتفاض على التحكم والدولة العميقة والظاهرة منها. التحكم لا يعنيهم كثيرا فلهم طرقهم لمصادقة الدرك واستقطاب حب المخازنية لحماية البزنيس العائلي.. كما لك طرقك في التوغل لكسب حب القصر الملكي لحماية البزنيس الحزبي. لا تبعهم خطاب العفاريت والتماسيح فسلعتك في منطقتهم بور! ماذا لديك كبديل عن الكيف يا بنكيران، تجارة حلال بحسب مرجعية الدين تضمن لهم خبزة لأيام الزيادات وأيامك النحسات؟ ماذا لديك كبديل عن الحشيش يا بنكيران، زراعة طيبة تضمن لهم الاستشفاء والتعليم في زمن الخوصصة وقطعك رواتب العباد؟ ماذا لديك كبديل عن العُشبة يا بنكيران، لتضمن لساكنة الشمال والجبال والريف الظاهر والعميق حياة كريمة.. بعيدا عن الكلام واللغو والحشو وسيدي الهضري والاتهامات. آت به وأعدك أنهم سيستقبلونك ويستمعوا لك، هم أهل استماع وترحيب واستقبال وطيبة.. ولكن لاتذهب لهم بسلعك البور حتى لا يطردوك بالحجارة، راه طالع ليهوم الدم والسبولة خاوية هاد العام!

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".