AP - لاجئون في مخيم كاليه الفرنسي

راتب شعبو يكتب: فرنسا.. مخيم كاليه للموت البطئ

تعتزم الحكومة الفرنسية تفكيك مخيم كاليه، وتبدو جادة هذه المرة، تحت ضغط الاحتجاجات التي يقوم بها اتحادا السائقين والمزارعين وأهالي كاليه "الأصليين". فبعد أن جرى تفكيك القسم الجنوبي من المخيم يجري الاستعداد لتفكيك القسم الشمالي منه.

يمكن النظر إلى مخيم كاليه على أنه أحد مخيمات اللاجئين الكثيرة، ويمكن أن يكون نموذجاً عن البؤس البشري الذي باتت نماذجه منتشرة في كل مكان. سوف ترى في مخيم كاليه آلاف الشباب يعيشون في شروط سيئة للغاية، سوف ترى الخيم البسيطة التي لا تمنع سوى الرؤية، والأكواخ المرتجلة من مواد وعناصر لم يكن في بالها يوماً أن تشارك في صنع مأوى لعائلة، من الكرتون إلى البلاستيك إلى خشب الصناديق إلى عيدان الشجر وأكياس الخيش والورق. وستجد من اجتهد أكثر وأُتيح له من المواد ما ساعده على بناء ما يشبه الغرفة بباب خشبي ودرباس. ولن يفاجئك الغياب شبه التام للنظافة، مع روائح تفسخ قادرة على الثبات في وجه رياح كاليه الدائمة.

وسوف ترى إلى جانب هذا، علامات تضامن إنسانية بقيت عاجزة عن رد طوفان البؤس الجارف. سوف تجد مغاسل ضخمة موصولة بخزانات ماء، وسوف تجد تواليتات ميدانية موزعة في صفوف في أرجاء المخيم، سوف تجد خلايا ضوئية مرصوفة بغرض الاستفادة من الطاقة الشمسية ..الخ. غير أن هذا لا يعدو أن يكون علامات هزيمة إنسانية بالأحرى، كأن الإنسانية حاولت شيئاً ثم عجزت وتهالكت وراحت تراقب تمدد بؤس لا قبل لها برده.

مخيم كاليه، الذي يسمونه "جنغل" أي "الغاب"، بسبب قربه من غابة هناك أو ربما لأن فيه ارتداد إلى قانون الغاب،  يشبه من هذا الجانب بقية مخيمات اللاجئين المعروفة، الزعتري في الأردن، أو عرسال في لبنان، أو كلس أو الريحانية في تركيا أو إيدوميني شمال اليونان، أو أي مخيم للجوء في غير مكان. هذا الجانب من الصورة هو جانب مشترك بين المخيمات، ورسالة دائمة تقول إن الجشع غير المحدود إلى السلطة والمال يجعل من الأرض مكاناً غير صالحاً للحياة لقسم من الناس لا يني يتعاظم، مثله في ذلك مثل الجفاف أو ارتفاع حرارة الأرض أو تمزق طبقة الأوزون.

مخيم كاليه، يشبه بقية مخيمات اللاجئين المعروفة، الزعتري في الأردن، أو عرسال في لبنان، أو كلس أو الريحانية في تركيا أو إيدوميني شمال اليونان، أو أي مخيم للجوء في غير مكان.

غير أن لمخيم كاليه مع ذلك سماته الفريدة. هنا يمتزج المؤقت والديمومة بطريقة فريدة. الديمومة هنا هي للمخيم الذي هو معبر للاجئين وليس مستقراً لهم، أو قل هو معبر إلى لجوء مستقر مأمول على الجانب الآخر من بحر الشمال. على نسيج الديمومة هذه جرى بناء مدرسة وكنيسة وجامع وسوق ومطاعم، غير أن هشاشة المؤقت جعلت البناء اعتباطياً ومرتجلاً إلى حد يعيد إلى الذهن عبقرية سجناء تدمر في تدبر شؤون حياتهم من أبسط المواد المتاحة.

في بقعة البؤس الدائمة المؤقتة هذه، فراغ روحي احتاج إلى كنيسة. الكنيسة هنا بناء تكامل، كما يبدو، عبر أجيال من اللاجئين العابرين. تدل الكنيسة على ذاتها بصليب خشبي بسيط مرفوع عالياً، ويكفي هذا كي يركن شاب دراجته الهوائية جانباً ويدنو من سور الكنيسة ويقبله بخشوع ويمضي. وحين يدفعك الفضول لدخول باحتها التي اجتهد اللاجئون هنا في جعلها أقل بؤساً مما حولها، سيلحق بك شاب أسود البشرة، يعاتبك، بلغة إنكليزية ركيكة، على الدخول من دون إذن منه. وحين تقول له، إن بيوت الله مفتوحة لعباده، يقول لك على الفور: لكل بلد تقاليده. هكذا يرفع هذا الشاب كاليه الطارئة إلى مستوى بلد له تقاليده أيضاً.

على اعتبار أن ثمة كنيسة بنيت، فلا بد إذن من بناء جامع وبطريقة أحدث. أما المدرسة فهي الإنجاز الأكبر الذي تمكن اللاجئون من إقناع السلطات الفرنسية بالإبقاء عليه عندما قامت بتفكيك القسم الجنوبي من المخيم، الأمر الذي جعل المدرسة تقف وسط محيط من أرض قفراء، متباهية بلوحة معدنية مزركشة بكل الألوان المتاحة مكتوب عليها باللغة الانكليزية، التي يمكن اعتبارها لغة المخيم، "سكول". ولأن لكل مأساة حضور هنا، ستجد في مكان آخر خيمة سوداء كتب على واجهتها أيضاً: مدرسة دارفور.

الضعف البشري، الوافر كثيراً في مثل هذه الأماكن، هو الضوء الذي ينير الخير الذي في الإنسان، وعليه فسوف تجد في المخيم كتابات متفرقة تعبر عن المحبة الموجهة إلى مخاطب مجهول. ستقرأ لوحة كبيرة تعلو سطح المدرسة وقد كتب عليها: نحن نحبكم. ويبقى عليك أن تخمن إلى من توجه هذه العبارة. وعلى حائط إحدى المغاسل الكبيرة سوف تقرأ قصيدة "التمثال الجديد" التي تحتفي بقدوم اللاجئين إلى أميركا، للشاعرة الأمريكية إيما لازاروس والمحفورة على قاعدة تمثال الحرية في نيويورك: "تعالوا إليّ أيها الجياع العرايا المحطّمين لتشعروا بالحرية... ذلك فخر أميركا".

كثير من الخيم ترفع العلم الفرنسي، ربما كنوع من استعطاف البوليس الفرنسي الذي يكثف حضوره هناك. ولكن هناك خيم كثيرة أيضاً ترفع رايات تمثل قضايا مغدورة، من إثيوبيا إلى السودان مروراً بفلسطين وسورية. على أحد الأبواب ستجد حمامة طائرة مرسومة بلون ذهبي كامل كأنها قلادة، ستتبين حين تقترب أكثر أنها خارطة سورية.

قد تنجح السلطات الفرنسية في تفكيك كاليه، غير أنها لن تستطيع تفكيك الخلل العالمي الذي يفكك العالم وينتج من البؤس ما يكفي لانبثاق كاليه مجدداً في كاليه أو في غيرها.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".