anp - الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

صلاح صابر يكتب: حرائق صندوق النقد

فوجئ أهالي حى شبرا الشعبى شمال القاهرة بمظاهرة احتجاجية غير مرتبة، قوامها المئات من الأمهات الصغيرات اللائي عانين على مدار أيام خلال رحلة البحث عن لبن لأطفالهن الرضع، بعد فشلهن في الحصول عليه من الشركة المصرية لتجارة الأدوية المملوكة للدولة.

ولتهدئة المحتجات، وخشية من انتقال عدوى الاحتجاج لفئات أخرى، أعلن الدكتور أحمد عماد وزير الصحة أن القوات المسلحة اشترت 30 مليون علبة لبن أطفال ليتم بيعها بالصيدليات بـنصف الثمن، وفقا لترتيبات تضمن وصولها للمستحقين الحقيقيين.

وباتت كلمة السر فى مواجهة حرائق الأزمة الاقتصادية هي تدخل الإطفائي الوحيد في مصر، وهي القوات المسلحة التي تقوم بدورها في تهدئة أي أزمة مؤقتا، حتى تجد الحكومة الحل الدائم لها لاحقا.

وليست أزمة ألبان الأطفال حالة فريدة من نوعها، فقد عادت أزمة نقص أنابيب البوتاجاز للظهور من جديد فى مناطق بالقاهرة والجيزة والصعيد، حيث وصل سعر الأسطوانة الواحدة في السوق السوداء إلى 60 جنيهًا، وهي الأزمة التي كانت الحكومة قد نجحت في احتوائها قبل سنتين.

وفي عدة قرى بدلتا مصر أعلن عدد من المواطنين رفضهم لتسديد فواتير استهلاك الكهرباء، اعتراضا على رفع أسعار استهلاكها بأكثر مما تتحمله دخولهم المتردية، وانتشرت دعوة الرفض على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأمام الإطفائي الوحيد حرائق أخرى مشابهة بعد إقرار قانون القيمة المضافة الذى ارتفعت بموجبه العديد من السلع الأساسية للمواطنين، وهو جزء من وصفة صندوق النقد الدولي الذى أعلن محافظ البنك المركزي طارق عامر، مؤخرا التوصل إلى اتفاق معه، تحصل مصر بمقتضاه على 12 مليار دولار على ثلاث سنوات.

وتأمل الحكومة أن يساهم القرض وتطبيق الوصفة الملازمة له إلى خفض الدين العام من 98% إلى 88%، في 2018-2019. ونظرة الحكومة لمعالجة الآثار الجانبية لهذه الوصفة بعيدة عما تحتاجه الطبقات الفقيرة، كما أنها كفيلة بضرب الطبقة الوسطى فى مقتل؛ تلك الطبقة التى تعتمد على مواردها الخاصة في تلبية متطلبات أساسية واجبة على الدولة مثل الصحة والتعليم والمواصلات.

وهذه النظرة الحكومية الضيقة تعتمد على توجيه جانب من الموازنة للإنفاق على التحويلات النقدية للمستحقين، والحفاظ على الغذاء، والتأمين لمحدودي الدخل، ووضع خطة لتوفير الوجبات المدرسية، وأخرى للاستثمار في البنية التحتية.

وهذا القصور في الرؤية الحكومية للأزمة عبر عنه هيثم الحريري عضو البرلمان المصري حين قال: "الحكومة لا بتشوف، ولا بتسمع، ولا بتتكلم، ولا بتحس بالمواطن، وتطبيق قانون ضريبة القيمة المضافة سيتسبب في فوضى وانهيار في الأسعار".

وفيما تلجأ الحكومة إلى فرض ضرائب تنعكس على الفقراء، وهو الطريق السهل لتمويل عجز الميزانية وزيادة حجم الدين الداخلي الذي وصل إلى ما يعادل حجم الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة الدين الخارجي لأكثر من 32 مليار دولار، فإن هناك طرقا أخرى لا تقترب منها، مثل مكافحة الفساد.

فقد قدر الاتحاد العربي لمكافحة الجرائم الاقتصادية وغسل الأموال، حجم فاتورة الفساد في مصر سنويا بنحو 600 مليار جنيه سنويا.

وإذا كانت الحكومة المصرية مصرة على تطبيق وصفة صندوق النقد الدولي، فإن على الإطفائي الوحيد في البلاد أن يظل مستعدا لإطفاء الحرائق هنا وهناك، أو أن تغير الحكومة من سياساتها. ولتسهيل الأمر عليها، يتوجب أن تجيب عن السؤال الآتي: إذا كانت نفس السياسات لم تخرج بالبلاد من الأزمة الاقتصادية مع أكثر من 30 مليار دولار من المساعدات الخليجية، فهل تستطيع أن تفعل العكس مع 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي؟ 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".