وفاء البوعيسي تكتب: التأسيس للبؤس والبلاهة في فكر الإمام أبو حامد الغزالي

شعرتُ بالمسؤولية تجاه قرّاء موقع "هنا صوتك" وصفحة "الإسلام هو" تحديداً، حين طالعت منشوراً صغيراً عن الإمام أبو حامد الغزالي، والذي يُشار إليه دائماً بحجة الإسلام وبركة الآنام وسيد الأئمة، وبمقالتي هذه، أطمح إلى أن أدفع بقارئ العربية إلى خوض مغامرة القراءة لهذا الرجل بنفسه، لا أن يترك غيره من رواد الجمود الفكري ومخربي العقل الإسلامي أن يقرأوه له، وهنا أضع رابط كتاب إحياء علوم الدين بمتناوله ليُتعرف معي على أفكار الرجل في الجزأ الرابع منه وعنوانه الرُبع المُنجيات.

التأسيس للبؤس

في باب الخوف ص 152 إلى 170، وبيان سوء خاتمة المؤمنين ص 170 إلى 185، يظهر

للعيان كم جلب الغزالي من مِحن ومشاق للعقل الإسلامي والعقل العربي كجزءٍ أصيل منه، حين صوّر الله في أبشع صورة واصفاً إياه بالسبع، الذي يخافه الإنسان ليس لاقترافه جنايةً ما، بل لطبيعة الافتراس التي يتصف بها هذا السبع وبطشه وجبروته، فكذلك الله عند الغزالي، وهو إله لا يؤمَنُ مكره بعباده طرفة عين، بل إن العبد إذا آمن مكر الله في الدنيا، خوّفه الله يوم القيامة وعرّضه للأهوال والمشاق.

إن قلب المؤمن عند الغزالي، يجب أن ينشغل بالهم بالرعب ليلاً نهاراً، خشية أن يُزِّل الله قدمه إلى المعاصي وقد أمضى طفولته وشبابه وشيخوخته في طاعته، حتى لقد استرشد بحديثٍ للنبي ورد بالبخاري قال فيه "أنا أخوفكم لله"، ويقول الغزالي إن تخويف المسلم من مكر الله لهو السوط الذي يجلد به الله ظهور عباده ليسوقهم إلى المواظبة، كما أن السوط هو الأصلح لقيادة البهيمة، ولم يستثنِ الغزالي من هذه القاعدة الفكرية الشنيعة حتى الأطفال في سن الرضاع، وقد استرشد بحديثٍ للنبي في البخاري، أن رضيعاً مات فقال رجلٌ إنه عصفورٌ بالجنة، فنهره النبي قائلاً "وما يدريك أنه كذلك، والله إني رسول الله وما أدري ما يُصنع بي، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً لا يُزاد فيهم ولا يُنقص منهم"، بل أن الملائكة المعصومة لا تنجو من هذا البؤس المرعب في علاقتها بالله، فقد أورد في كتابه أن جبريل وميكائيل قد بكيا يوم رأيا كيف أن الله قد أضل إبليس بعد طول عبادة، فسألهما ما يبكيكما قالا إنا لا نأمن مكرك كما مكرت بإبليس، قال هكذا كونا لا تأمنان مكري.

وينقل الغزالي كلاماً عن الصحابة والأنبياء ومنهم داوود النبي، أنهم عاشوا رعباً لا يحتمله بشر خشية أن يُزيغ الله قلوبهم في آخر لحظات حياتهم، ويقذفهم في نار جهنم غير مبالٍ بهم، فهو يسأل ولا يُسأل.

خلاصة ما انتهى إليه الغزالي في كتابه الرهيب هذا، هو إرهاق العقل والنفس والسجية لدى المؤمنين قاطبةً، حين ربطهم إلى خوفٍ أبدي وجهلٍ محتوم بمصائرهم بسبب تقلبات المزاج الإلهي، فاستبسال المرء في مرضاة الله بالصلوات والحج والبِر والجهاد، تماماً مثل استبسال الكافر في الفجور والشرك وإيذاء المؤمنين، كلاهما لا يُلزمان الله في شيء، فهو إن شاء أضلّ الأول بعد طول مجاهدة في الإيمان، وإن أراد هدى الثاني بعد الإمعان في الكفر.

التأسيس للبلاهة

في كتابه إحياء علوم الدين في جزئه الرابع، يطالعنا باب الرُبع المُنجيات أيضاً مادة سوء الخاتمة ص 172 وما بعدها، حيث يجمع فيه الغزالي كل حججه اللغوية والدينية من أحاديث نبوية ومآثر للصحابة، ليحض بها المؤمنين على عدم تصديق العقل وتجنب شره والتوقف عن استعماله، من خلال النأي بأنفسهم عن مخاطر البحث والتنقيب وإعمال الفكر في أمور الدين ومسائل الإيمان برمتها، ويدعو الغزالي على طول هذه المادة "سوء الخاتمة"، المؤمنين الاكتفاء بالإيمان الأعمى أو ما سمّاه حرفياً "إيمان البُلّه" أي إيمان الحمقى والسُذج.

وعند الغزالي أن البُلّه هم غالب أهل الجنة كما يقول النبي في حديثٍ عن أنس "إن غالب أهل الجنة البُلّه"، ويعرّفهم الغزالي بأنهم الذين آمنوا بالله ورسوله إيماناً راسخاً في عموم السواد الأعظم من الناس، والذين لم يخوضوا في أمور الدين ولا تفكروا حتى في ما يصلحهم من أمور الدنيا، تاركين كل شيء لله يسوقوهم به كيف شاء.

إن البلهاء المستحقين للتقدير عند الغزالي، والذين يرضى عنهم الله ورسوله هم الذين يعدّون العقل من الموبقات، والذين يتجنبون استعماله بأن يحرصوا أشد الحرص على الاكتفاء بتقليد السلف والصحابة في دينهم ومعاشهم، وهم الذين مات النبي وهو عنهم راضٍ، حين كان ديدنهم معه طوال حياتهم تقديم القول سمعنا وأطعنا، بل إن الغزالي قال صراحةً في كتابه هذا، إن السلف مُنعوا من البحث وأنهم أُمِروا أن يؤمنوا بما أنزله الله دون تأمل فيما قاله أو أمر به، وأنهم لم يؤولوا كلام الله كما فعل متكلمو زمنه الذين قالوا إن الدين إنما يؤخذ بالعقل لا بالنقل والتقليد، وأنه إذا تعارض العقل مع النقل قُدِم العقل ولو خالف النقل، أما هو نفسه (الغزالي) فقد داوم على طول كتابه إحياء علوم الدين وغيره، على دس الخرافات المحقّرة للعقل الإسلامي، وهي خرافات وجهها للمؤمنين لتكبيل عقولهم ومنعهم من الاحتجاج والتفكير، وقد هاجم الغزالي بضراوة كل من رفع عقيرته منادياً بإعمال العقل والكف عن الاتباع، حتى كتب كتابه الشهير تهافت الفلاسفة الذي ضرب به التفلسف الإسلامي ضربةً لم ينهض بعدها حتى اليوم.

أخشى أن لغة الغزالي الجافة، وميله المفرط للإسهاب، وكثرة التشعبات التي يخرج بها عن المواضيع الأصلية التي يخوض فيها تجعل من قراءته في صفوف الشباب عبئاً ثقيلاً على النفس، تدفعهم إلى تصديق كل فقيه يمتدحه لهم، دون أن يبذلوا جهدهم الخاص في قراءته ويصبروا على مؤلفاته ليقفوا بأنفسهم على حقيقة هذا الفيلسوف المنتحل، الذي سفّه العقلانيين المسلمين ممن انتصروا للعقل وأرادوا لقاطرة الإسلام العقلاني أن تسير بالمسلمين للأمام، لولا أن وضع هو حرابه في طريقها حتى أوقفها.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".