anp - بورتريه ضوئي لأم كلثوم على أهرامات الجيزة - أرشيف

رشا عزب تكتب: المبدعون الطغاة .. أم كلثوم

زاحمتني "الست" في حب أبي، لم يكن يعترف بحب أحد سواها علانية وسرا، وحين يظهر موكبها الرصين في حفلة تلفزيونية مسجلة، يكف عن اللعب معي ويجلس معها وحدها، يشرب الشاي الأسود والسيجارة اللايت، ينصرف عنا ليدخل في الجب كما دخل يوسف. تنادي أمي فلا يسمع، أحاول استمالته للعب فلا يلين، لقد دخل مقام "الست".

كنت أكره أم كلثوم في طفولتي لهذا السبب الوجيه، وكلما شاهدت حفلة مسجلة لها انصرفت عنها فورا، لكن الرجل القابع خلفها باستمرار كأبي الهول، والذي قال لي أبي ذات يوم إنه يدعى "قصب" ظل جزءا من ذاكرتي عن أم كلثوم كأنه جزء منها لا ينفصل. ظلت العلاقة بينهما موضع تساؤل حتى كبرت وفهمت قليلا، لم أقوَ على استمرار كراهية الست، أحببتها رغم يقيني بكونها "طاغية".

نعم، لقد طغت أم كلثوم لتصبح أسطورة كما نعرفها، كنت أقف أمام أخبارها الصحفية القديمة في الصحف والمجلات رغم أنني لا أبحث عنها، وأقرأ ما تقول وما كتب فيها، لكن أخبارها كانت تأكلني، أرى كيف تبني قواعد الاستبداد وحدها، هي المركز والجميع يطوف حولها، أشرس الرجال صاروا ودعاء طيبين في بلاطها، أعتى الصحفيين قلمت "الست" أظافرهم، فالكاتب يشهر سيفه على "الست" ويتحداها حتى يظفر بلقاء. ينتهي حاله يكتب بقلب مفطور من اللوعة عن الظاهرة التي لا يجود الزمن بكثير منها.

حتى الساسة على اختلاف توجهاتهم صلوا على صوتها، منحها الملك وسام الكمال لتصبح صاحبة العصمة بعد أن عدلت كلمات أحد أغانيها لاكتشافها وجوده في الحفلة، أحبها عبدالناصر إلى درجة الوله ولم يسمح لأحد الاقتراب منها أو اعتبارها من فناني العصر البائد الذين غنوا للملك السابق.

شيدت أم كلثوم عرشا لملكة وليس مجرد شهرة لمطربة ظلت على القمة لما يزيد عن الخمسة عقود، فالملوك لا يعيشون على القمة مثلما عاشت، هل كان صوتها هو مصدر سطوتها واستبدادها بقلوب وعقول من عرفوها عن قرب أو عن بعد؟

ربما يكمن السر في "سحر الست"، فلم تكن أم كلثوم مجرد مطربة ذات صوت رنان قاومت موجة الأغاني التي وصفت بأنها "خليعة" في منتصف العشرينيات، لتقدم القصيدة المنظومة بعناية، والثقيلة علي الأذن.

قدمت الست "مالي فتنت بلحظك الفتاك" في مواجهة "بعد العشا يحلا الهزار والفرفشة"، وكانت المفاجأة أن تنجح هذه الأسطوانة محققة أرباحا كبيرة ليبدأ عصر "الآنسة أم كلثوم".

ومنذ فجرها الأول، تمتلك الآنسة قدرة مبهرة على "الافتنان"، فمن توجه إليه سهامها يصبح كالمشدوه في رحابها ولا يتململ من هذا الأسر، الأستاذ أحمد رامي شاعر الشباب، يتحول من شاعر الفصحي ورافع رايتها ومترجم رباعيات الخيام من الفارسية إلى العربية إلى زجال ينظم الأغاني العامية لفتاة عرفت طريق القاهرة منذ شهور. بعد الحفلة الأولى التي حضرها رامي للآنسة ظل تحت حكمها الاستبدادي حتي الممات، مع العلم أن رحيلها سبق رحيله بأعوام. نحن نحكي عن علاقة من منتصف العشرينيات حتى وفاة رامي في مطلع الثمانينيات!

كان رامي يجري كالمجذوب وراء الست، هذا الموظف العمومي في دار الكتب، يحضر حفلات الأقاليم التي تنتهي مع صباح اليوم التالي ثم يلحق بقطار الصحافة العائد للقاهرة ليصل عمله باكرا دون نوم.

قدم عشرات الأغنيات، هي خلاصة حياته الأدبية والإنسانية، لم ترض الست بأقل من "مصمصة" شاعر الشباب، ولم يلن عودها وهي تغني كلماته التي كتبت منها ولها.

أحبها علانية فاضحا مشاعره منذ البداية لتغني هي "خايف يكون حبك ليا شفقة عليا.. وانت اللي في الدنيا ليه ضي عنيا"، حتى حققت معه المراد وغنت من كلماته أسطوانة "ان كنت اسامح وانسي الاسية"، محققة مبيعات وصلت إلى نصف مليون أسطوانة في بلد تعدادها 12 مليون نسمة! منحها رامي درة كلماته ومنحها الاسم المفضل لها "ثومة" ليناديها به المقربون منها فقط.

استكمل رامي رحلة حبه فكتب لها "غلبت أصالح في روحي" و"يا ظالمني" و"ياللي كان يشجيك انيني"، واستكملت الست رحلة السطوة والجنون الفني وغنت ما كتب عنها بلا تردد. لم تسمع آهاته، فلو توقفت آهات رامي توقفت عن غناء هذه الكلمات وتوقفت آهات الجمهور، وهي لا تريد ذلك. فلتستمر معاناة رامي.

تمرد عليها أحيانا فقال لها "جددت حبك ليه" و"هجرتك" فلم تيأس من استعادته، هي التي أحيت كلماته، لم تعد سطورا باهته في ديوان، يروي صوتها كل حروفه، وتفيض به على السامعين المسحورين، كيف يخسر الشاعر صوتا كصوتها وقلبا متمرسا على كل المعاني. عاد وكتب لها "الحب كله".

عاشت الست كما أرادت، وعاش رامي كما أراد الشعر، بدأت رحلتها بكلماته "الصبو تفضحه عيونه" واختتمت حياتها بكلماته أيضا "يا مسهرني"، ربما أحبته شاعرا ولم تحبه كرجل كما قالت، لكن لولا حبه لها كرجل ما صار شاعرا بهذا التجلي. أدركت الست هذه الحقيقة حتى تحولت إلى عقيدة لديها، عاشت بها طوال عمرها المديد. رامي لم يكن المتيم الأوحد.

مارست "الست" لعبتها المفضلة في الافتنان دون أن يتمرد عليها إلا نفر قليل، الكل يعرف ولا يتكلم، الجميع ينظر إلى رامي وغيره من الضحايا ولا أحد يقوى على مناقشة الحياة الخاصة "للست". هذا الملحن يحبها، هذا الشاعر متيم بها، هذا الباشا يتوق إليها، وهذا الصحفي يقضي بين يديها أغلب أوقاته. يحدث كل ذلك بلا صوت أو صخب، وكأنها تفرض سورا صينيا حول حياتها الشخصية كما وصف الكاتب الكبير محمود عوض، فلا يقوى أحد على مجرد المحاولة من الاقتراب من هذا السور. وإن اقترب فلن ينجو غالبا.

ولكن لا يزال السؤال المؤرق: هل طغت أم كلثوم لتصير أسطورة؟!

"الست" لم تقف وحدها في ساحة المبدعين الطغاة، فهم طابور طويل. يعيشون حولنا في صوت وضحكة وكلمة ولا نستطيع الفكاك من حبهم ولعنتهم.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".