AP - خروج أهالي داريا من المدينة

فائق حويجة يكتب: ليلة سقوط داريا

كثر البكَاؤون  واللطَامون على سقوط داريا. وسالت الدموع على وسائل التواصل الاجتماعي. وعلت الأصوات بالويل والثبور وعظائم الأمور.

أغلبية الآراء أرجعت هذا السقوط لوحشية النظام، ونقصان الأسلحة لدى المقاتلين، والتخاذل لدى المقاتلين "الثوار"  في الغوطة الشرقية ودرعا، والصفقات الإقليمية والدولية المستجدة، إلى آخر ما هنالك من تحليلات، لا ترى في هذا السقوط إلا لحظته الراهنة، دون استقصاء العوامل الأساسية – البنيوية إن صحَ التعبير- التي أوصلت له.

لاشك أن النموذج الداراني "من داريا" كان من النماذج المضيئة في سياق طموح الشعب السوري نحو استرداد حقوقه في الحرية والكرامة. ولاشك أن صمود مدينة داريا المحاصرة، طوال أربع سنوات من الحصار والقتل اليومي كان صموداً بطولياً. لكنني رغم ذلك ، أزعم – مع كامل الاحترام والتقدير للبطولات الفردية ولآلام وعذابات المواطنين العزَل وللشهداء – أن سقوط داريا بوصفها مثلاً بطولياً بارزاً، وسقوط النموذج "الداراني" بوصفه ممثلاً لنضالات السوريين السلمية والمشروعة،  كان حاصلاً منذ أن تحولت انتفاضة الشعب السوري إلى "ثورة مسلحة".   

مع التسليم الكامل بما تقتضيه الحالة الإنسانية و ما تقره القوانين الوضعية من حق مشروع للإنسان في الدفاع عن النفس، إلا أنه يمكننا التمييز بين هذا الحق وبين الدعوات المبكرة (...) للعسكرة بوصفها الطريق المجدي والوحيد لإسقاط النظام.
                                                      

من النافل القول  إن الادعاء بأن النظام السوري هو من بدأ بالقتل، وأن من حق الناس أن تدافع عن نفسها وعن عرضها (كذا ...) رغم  صحته، هو ذرّ مقصود  للرماد في العيون. ذلك لأنه ومع التسليم الكامل بما تقتضيه الحالة الإنسانية و ما تقره القوانين الوضعية من حق مشروع للإنسان في الدفاع عن النفس، إلا أنه يمكننا  التمييز بين هذا الحق وبين الدعوات المبكرة – أو التبريرات الشعبوية اللاحقة  والرديئة من حيث الجوهر -  للعسكرة بوصفها الطريق المجدي  والوحيد لإسقاط النظام من قبل شخصيات وأحزاب سياسية محلية لها تاريخ سياسي عريق، متوهٍمة وواهمةً الشعبَ المنتفض أن إسقاط النظام هو قاب قوسين أو أدنى "عضًة كوساية بالتعبير الدارج"، وذلك دون أخذ تعقيدات الواقع السوري بعين الاعتبار. أو دون وضع هذه التعقيدات في حسبانها وبناء تكتيكاتها السياسية على أساس ذلك، لغبائها وقصر نظرها إن افترضنا حسن النية، وبالضد من تطلعات الشعب السوري التاريخية إن لم يكن لحساب دول إقليمية بشكل مباشر أو غير مباشر إن افترضنا سوءها.

سقوط داريا – وقبلها الانتفاضة السورية – باعتبارها الطريق نحو الحرية والكرامة ودولة القانون والمواطنة المتساوية، حدث منذ ذلك الزمن الذي هللت فيه وتصدًرت الأصوات العالية في "الثورة السورية" لأي فعل يقوم بمواجهة النظام مع غض الطرف عن الجهة التي يأتي منها والمآل الذي يمكن أن يؤدي إليه.                           النظام السوري مسؤول عن انسداد الأفق التاريخي السوري وبالتالي فإن إسقاطه حتى لو أدى ذلك  لسقوط الدولة والمجتمع السوريين وبغض النظر عن الكلف البشرية والمادية، هو خطوة تاريخية للأمام من وجهة نظر أصحاب الرؤى الاستراتيجية  تلك، أو أن هذا بالضبط ما كان يريده البعض منهم عبر سقوط الدولة والمجتمع!

سقوط داريا الذي تأخر إعلانه كثيراً نتيجة صمود وبطولات المجتمع الداراني والتي لا يمكن إلا تثمينها من وجهة نظر أخلاقية / اجتماعية، أتى متساوقاً مع السقوط السياسي والنضالي على كامل المساحات السورية، ومع تحول حجم الطموحات من الحرية والكرامة ودولة المواطنة، إلى دول الكانتونات ومجتمعات الملل والنحل وأمراء الحرب ووكلاء الجوار وأصحاب الدكاكين السياسية.

لقد تجلت التراجيديا الدارانية في هذا الأمر بالضبط ، عبر التمسك  ضمن حصار خانق، بقيم الانتفاضة الشعبية الأصيلة، إلى جانب مناخات من "الثورة" غرَدت بعيداً باتجاه الأسلمة والطائفية والمذهبية والارتهان للخارج، وصولاً لغض الطرف عن الإرهاب بأبشع صوره، أي أنها وقفت موضوعياً على الأقل،  ترفع رايات الثورة والانتصار من خنادق الثورة المضادة. الأمر الذي عنى أن المشروع الذي مثلته داريا كان بحكم الساقط في "المحيط الثوري" المناهض لأي ثورة، منذ 2011.

بقي "الدارانيون" مدة أربع سنوات محاصرين، يدافعون تراجيدياً، عن قضية مهزومةِ ممن يدعي نصرتها ويرفع رايتها من بعيد مبشَراً من مأمنه باستمرارها حتى آخر حجر وبشر.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".