anp - نشطاء من حركة 20 فبراير الشبابية في المغرب - أرشيف

محمد أحداد يكتب: شكرا نجيب شوقي

رفض نجيب شوقي، واحد من أبرز وجوه حركة عشرين فبراير التي آمنت بالربيع المغربي قبل خمس سنوات من الآن، دعوة حزب العدالة والتنمية للترشح باسمه في اللائحة الوطنية للشباب التي أقرتها القوانين الانتخابية، لضمان تمثيلية برلمانية للشباب بعدما فشل رهان تجديد النخب..

قال نجيب شوقي في لحظة فارقة من التنافس السياسي المحموم حول المقاعد الانتخابية الحاسمة في منصب رئاسة الحكومة المقبلة، إنه رفض الترشح بقبعة العدالة والتنمية في مركز متقدم في اللائحة الوطنية. حتى وإن أبى، من منطق الأخلاق السياسية التي انقرضت في الساحة السياسية المغربية، التعليق على الموضوع ولا شرح خلفياته، فإن الذين يعرفونه يدركون أن نجيب شوقي، ذي الهوى اليساري، لا يمكن أن ينخرط في حزب محافظ رغم أنه دافع عنه بشراسة في أكثر من موضع ضد ما يسميه هو بالتحكم.

أسس نجيب شوقي لممارسة سياسية نبيلة في المشهد السياسي، ففي الوقت الذي كنا نعتقد أن "لا" لم تعد تغري أحدا، وأن جاذبية الكرسي والمال والمركز الاجتماعي لا تقاوم، قلب هذا الشاب القادم من أقصى نقطة في المغرب العميق المعادلة على رأسها. وليست هي المرة الأولى التي يعتذر فيها عن الترشح باسم حزب سياسي، ففي حمأة الحراك الشبابي الذي كان عضوا بارزا فيه، حاولت ملل ونحل سياسية مختلفة في سياق موجة "تدجين" شباب عشرين فبراير أن تستقطبه، لكنه ظل كما هو، يساريا حالما، مناضلا بدم أحمر.

حزب العدالة والتنمية الإسلامي اختار نجيب شوقي، لأن المناضل اليساري ظل طوال أعوام يهاجم حزب الأصالة والمعاصرة معتبرا إياه منظومة مرادفة للتحكم في المشهد السياسي، بلغة أكثر دقة، والحال أن من يتابع مسيرة شوقي يفهم كيف أنه كان ضد التحكم كمنظومة مستحكمة وليس "البام" وحده.

منذ زمن طويل سادت ممارسات سياسية مشينة في المشهد السياسي المغربي، فمع كل مناسبة انتخابية ترتفع بورصة سماسرة الانتخابات وتوزع التزكيات بـ"التشيار"، ولتذهب المبادئ والمرجعيات إلى مزبلة التاريخ.

في الوقت الذي كنا نعتقد أن "لا" لم تعد تغري أحدا، وأن جاذبية الكرسي والمال والمركز الاجتماعي لا تقاوم، قلب هذا الشاب القادم من أقصى نقطة في المغرب العميق المعادلة على رأسها.

لم نعد نعرف أين يبدأ اليسار، وأين ينتهي اليمين، وماهي حدود التماس بين اللبرالية والاشتتراكية، ولسنا قادرين، أيضا، في ظل هاته المعجنة، أن نستوعب من هو المحافظ ومن هو الحداثي. فالذي كان مناضلا في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يصير بقدرة قادر مناضلا في حزب لبرالي إداري، ومن كان قياديا في حزب إسلامي محافظ أصبح اليوم مفتونا بتجربة الحداثيين. لا اليسار يسار ولا اليمين يمين.

التغيير سنة الحياة، إذ لا يمكن أن  تنزل إلى النهر مرتين وتسبح في نفس المياه كما قال الفيلسوف الإغريقي هيراقليطس، لكن التغيير بهذه الطريقة البشعة التي تبعث على التقيؤ الممزوج بإسهال شديد، يسائل الفعل السياسي في العمق، حيث تحولت الديمقراطية كقيم، إلى مجرد آداة عددية تقاس بعدد المقاعد والمناصب الوزارية و"الكعكة البرلمانية".

في المغرب، الكل يؤمن أن "الترقيع السياسي" سمة العصر، فالدولة ترقع والأحزاب ترقع ومنظمات المجتمع المدني ترقع، والنخب، التي كان مفترضا أن تكون في الخندق الأول لمواجهة حالة "الترهل العامة" و"الضحالة السياسية"، منها من تراجع إلى الوراء ومنها من انخرط في لعبة الترقيع.

لذلك، يبدو ما فعله نجيب شوقي وهو يرفض عرضا سياسيا كان سيقوده إلى البرلمان دون أدنى مجهود، فعلا سياسيا نبيلا يشذ عن القاعدة العامة التي ترى في "نعم" واجبا سياسيا. وقديما قال تشرشل إن أصعب شيء في السياسة هو أن تعرف متى تقول لا أو متى تقول نعم… شكرا نجيب شوقي.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".