AP - خروج أهالي داريا من المدينة

رياض درار يكتب: تخبط المعارضة السورية وبذور الفشل

لا يقبل النظام الأمني السوري المستبد شريكاً له في الحكم. وهو في سوريا استطاع تحويل الخصوم إلى أدوات تنفذ إرادته أو تزايد على مشاريعه.

الهامش البسيط الذي تركه لحركة المعارضة بقي تحت السيطرة فلا تتحرك إلا بحدود، وكانت مخترقة إلى أبعد الحدود. وحين فتح المجال خلال المرحلة الانتقالية للتوريث، تفتحت براعم "ربيع دمشق"، لكنها ما لبثت أن تهاوت نتيجة غياب تجارب الزراعة الديمقراطية، ثم زج النظام أبرز قادة "ربيع دمشق" في المعتقل، العشرة الأفاضل عارف دليلة وزملاؤه.

الطريف في هذا الاعتقال أن النظام لم يكن لديه حجة اعتقال ولا إدانات ، فعمد في سجن عدرا حيث زج المعتقلين، إلى سياسات تبديل الأشخاص في الغرف ووضع مسجلات ليلتقط محادثاتهم ثم يبني عليها الإدانات.

استمر هذا لشهور قبل محاكمتهم على تسجيلات السجن، وكانت أحكاماً تعسفية ليسكت البقية خارج السجون، بعد أن أغلق المنتديات وأبقى على منتدى الأتاسي، لمرحلة لاحقة يدرس من خلاله حركة الناشطين وأفكارهم ويراقبها.

لم يشكل هذا المنتدى ظاهرة تدرس ولم يقدم مشاريع تطور الحركة السياسية،  لقد كان النظام الأمني في كل المعارضات، يخترقها أو يساهم في تشكيلها عبر مندوبيه، أو يروضها لتتبع له، وتسير على هدي توجيهاته. وصارت الشعارات المرفوعة نسخة عن شعارات النظام، والكل يعرف حدوده وخطوطه الحمراء المسموحة.

باستبعاد نظرية المؤامرة يمكننا أن نحكم على المعارضة بافتقادها لتجارب سياسية بنائية، يمكن أن تستمر على أساسها الأحزاب دون انقسامات، أو يكون لها رؤى لبناء دولة، أو أن تكون قادرة على اختراق المؤسسات والنقابات والكيانات والرؤوس ليصبح لها رصيد، يمكن أن يجد له مكاناً لو احتكم إلى صندوق الانتخاب، أو المشاركة الإيجابية في أي انتقال ثوري يحصل.

هذا ما جعل النظام يرفض الاعتراف بوجود معارضة منظمة، وإن اعترف بوجود معارضين. وكما رفض النظام الاعتراف بالمعارضة، رفضت ثورة الشباب الجميع، وراحت تبحث عن تشكيل يمثلها. وقدمت رموزاً لم تعركهم السياسة وكانت النتائج كما نرى.

ما لبث أن تخلى الجميع عن الجميع، ودخلوا ساحة التنافس على المصالح والمكاسب، والاستعراض المنبري، وأكثرهم تقدماً أعلاهم صوتاً، وانعدمت الاستراتيجية وابتعدت الثورة عن تحقيق أهدافها.

كان الإخوان المسلمون وجماعة إعلان دمشق، أبرز من أمسك بالمعارضة الخارجية، التي سعت بطلب من القوى الخارجية الداعمة للّعب على المكونات. فجاءت بالعلوي والدرزي والاسماعيلي والسرياني.

عودة إلى أسباب الفشل والتخبط، نجد أولى محاولات النهوض بعد موات سياسي طويل، كان في لجان إحياء المجتمع المدني عبر رموز يسارية "تلبرلت" (نهجت الطريق الليبرالي) وسعت للتغيير السلمي والإصلاحي من الداخل، ولكن النظام بادر بضربته الاستباقية لما سمي ربيع دمشق باعتقال العشرة الأفاضل وإغلاق المنتديات.

 كشر نظام التوريث عن أنيابه فلا استجابة، ولا إصلاح، ولا تغيير. الضربة الثانية كانت لإعلان دمشق، الإعلان اكتشف أن هذا النظام لم يعد ينفع معه مطلب الإصلاح، فنادى بالتغيير الوطني الديمقراطي. ورغم أن احتلال العراق هدد أمن النظام وتماسكه، إلا أنه اعتقل قيادات الإعلان الودودة التي تدعو للحوار، النظام لم يتغير إلا أنه لبس قفازات حريرية. لكن المعارضة لم تتغير ولم تغير أساليبها.

استمرت مناورات الانشقاق، والالتحاق وتبديل المواقع. وكان الإخوان المسلمون وسط هذه المناورات يجددون حضورهم، وهم الحزب الأكثر تماسكاً، صاروا يعيدون إنتاجهم وشكلوا ما سمي المعارضة الخارجية. بعد ذلك لم يتوقف المعارضون التاريخيون عن الثأر من بعضهم، والشارع يغلي بعد أحداث الربيع العربي. وكان يمكن لإعلان دمشق والتجمع الوطني الديمقراطي أن يشكلا رافعة تقود التغيير. ولم يستطع رواد السمير أميس تقديم بديل، ولم تكسب هيئة التنسيق رضا الداخل، وبدأت تتلقى شتى الاتهامات من جماعة "المجلس الوطني يمثلني" بعد سقوطه المظلي على أرض بعيدة في اسطنبول التركية، وبداية التنافس الضار بين ما سمي معارضة الداخل، ومعارضة الخارج. والفرق بينهما أن الخارجية تريد أن تكون بديلاً للنظام بشتى الوسائل، والداخلية تسعى لتغيير سياسة النظام، وتخشى من حمل السلاح والتدخل الخارجي .

كان الإخوان المسلمون وجماعة إعلان دمشق، أبرز من أمسك بالمعارضة الخارجية، التي سعت بطلب من القوى الخارجية الداعمة للّعب على المكونات. فجاءت بالعلوي والدرزي والإسماعيلي والسرياني. وسعت لكسب الكورد الذين انقصموا بين هيئة التنسيق وبينهم. ورغم تقديمهم وجوها علمانية بدأ ببرهان غليون وعبد الباسط سيدا، والمراهنة على جورج صبرا "المسيحي" إلا أن أصابع الإخوان بقيت هي البارزة ودورهم هو الأكثر وضوحا وكفاءة.

مع ذلك لم تمتلك هذه المعارضة برنامجاً ولا رؤية ولا خطة سياسية أو عسكرية. وبقيت ارتجالات إعلامية واجتماعات وراء اجتماعات أفرغتها التنافسات على مركز الرئيس للمجلس الوطني. ومن ثم للائتلاف الوطني وشراء الذمم والأصوات، وتلوث الجميع بالمال السياسي. وبدأت أصوات التشكيك والفضائح تزكم الأنوف.

تراكمت أخطاء المعارضة في الخارج حتى بات تصرفهم وخطابهم يشكل "حلة" استغباء للسوريين الذين سئموا من الكذب المتكرر والخطاب المكرور المفضوح. فقد صاروا تجار سياسة ومعارضة خمس نجوم وكلهم يزعم ويحلم أنهم قادة سوريا ورؤسائها القادمون. وساهمت تصريحاتهم في ازدواجية الرؤية وتعدد المواقف، وتلميع بعض الفصائل وامتداح المتهم منها بالإرهاب كجبهة النصرة، ثم السكوت على الفصائل الجهادية، والسماح لها بالتمدد على حساب الجيش الحر ضداً بالمشروع الوطني الديمقراطي وخارج أهداف الثورة بحجة أن هذه الفصائل تقاتل من أجل اسقاط النظام.

هذا مأزق قاد إلى تراجعات في الثورة وإلى ارتهانها للسلاح الذي بدأ يستقطب مقاتلين أجانب، استعانت بهم كل الأطراف لتخرج المعركة من يد السوريين إلى أياد إقليمية ودولية.

 لقد فشل أقطاب المعارضة في تقديم أنفسهم كبديل مقنع عن النظام. وعجزوا عن تقديم شخصية أو جماعة يلتف حولها الناس، ويقبل بها المجتمع الدولي. واستمرت مواقفهم هزيلة تعطي بعداً لانعدام الاستراتيجية، وتخبط التكتيك وغياب الأفق .

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".