AP - جنود إسرائيليون

عصام حسن يكتب: "فلاش باك".. إلى الأمام!

اعتباراً من عام 1948 دخلت البلدان العربية ـ سوريا ومصر بشكل خاص ـ في حالة حرب فُرضت عليها فرضاً مع العدو الصهيوني الذي احتل الأرض الفلسطينية وقتل وشرّد مئات الآلاف من البشر، ضارباً بعرض الحائط كافّة القوانين الدولية والقيم الأخلاقية والإنسانية، مدعوماً سياسياً من قبل دول الغرب ـ أمريكا بشكل خاص ـ في أروقة الأمم المتحدة للتغطية على جرائمه من خلال استخدام حق النقض "الفيتو" بعد كل جريمة يرتكبها، بالإضافة للتسليح والتدخل لصالحه بشكل غير مباشر؛ أو مباشر في بعض الأحيان.

وخلال عقود استطاع العدو أن يطوّر نفسه في كافّة المجالات رغم المحيط العدائي الذي يعيش فيه (باعتباره جسما غريبا وشاذا)، بالمقابل بدأت المجتمعات العربية بالانهيار التدريجي من الداخل واستطاع عدونا المشترك(الذي يعتبر قزماً من حيث المساحة وعدد السكّان والمقدّرات أمام العملاق العربي)، استطاع أن يزرع الفتن ويحيك المؤامرات في كل البلدان العربية دون استثناء (وهنا أتجاهل عمداً دور بعض الدول العربية في التآمر على بعضها البعض لصالح العدو سواء عن قصد أو عن سوء تصرف).

المهم؛ إن عدونا حقق الكثير من الإنجازات خلال العقود السابقة، ولم تستطع كلّ الدول العربية مجتمعة بقادتها وأنظمتها الملهمة والحكيمة والموقّرة والمبجّلة والمفدّاة والـ(ما بعرف شو)! لم تستطع القيام بمؤامرة واحدة ناجحة عليه أو ضدّه، ولم تستطع زرع الفتنة بين أبناء شعبه الذي لا يملك عقيدةً، ولا ارتباطاً بالأرض، ولا تجانساً، ولا تاريخاً مشتركاً، ولا جغرافيا تحميه، ولا قادةً و رموزاً ملهمين، ولا ملوكاً عباقرة، ولا أحزاباً وطنية ملتصقة بقضايا الجماهير، ولا مسيرات مليونية، ولا رؤساء استثنائيين ولا شيء؛ ولا شيء من كلّ هذا كما عرفنا عنه من خلال وسائل إعلامنا التي نجحت في تسخيف كلّ ما من شأنه تفتيح عيوننا وعقولنا على الحقائق ومن ضمنها معرفتنا لحقيقة عدوّنا الذي غدا طوطماً على مرّ الأيّام.

عجزت كل الأنظمة العربية بكل عظمتها عن استئجار إسرائيلي واحد ـ قليل الأصل والوجدان والشرف والأخلاق ـ طيلة تلك العقود وجعله يطلق النار على أبناء جلدته في مظاهرة ضد ثقب طبقة الأوزون، أو تجمّع للمثليين، أو مسيرة مؤيّدة لوزير الزراعة الإسرائيلي لنجاحه في زراعة الباذنجان على سبيل المثال.
 

رغم ذلك عجزت كل الأنظمة العربية بكل عظمتها عن استئجار إسرائيلي واحد ـ قليل الأصل والوجدان والشرف والأخلاق ـ طيلة تلك العقود وجعله يطلق النار على أبناء جلدته في مظاهرة ضد ثقب طبقة الأوزون، أو تجمّع للمثليين، أو مسيرة مؤيّدة لوزير الزراعة الإسرائيلي لنجاحه في زراعة الباذنجان على سبيل المثال.

بينما كان ينجح هذا العدو دائماً و دائماً بزرع الفتن واستئجار المثقفين من مرتبة دكتور وبروفيسور كذلك الكثير من الفنانين والأدباء ورجال الأعمال والضباط والمسؤولين من كافة الدرجات بالإضافة لرجال الدين ممن تسمح لهم مكانتهم بالإفتاء ورمي الناس في جهنم خلال لحظات، وغير هؤلاء من الجهلة الأوباش الذين قاموا من أجل "حفنة من الدولارات" بقتل جيرانهم وأولادهم وأهلهم (كما أفهمتنا وسائل إعلامنا المختلفة في تحليلها للحوادث التي حصلت أثناء المظاهرات في بداية "الأزمة" السورية والتي لم تخلو إحداها من قتيل أو أكثر على أيدي هؤلاء المأجورين العملاء!)

وعلى مستوى آخر وفي مكان وزمن آخر، استطاع هذا العدو شراء العملاء وتكليفهم بقتل قادة الثورات "ياسر عرفات على سبيل المثال" أو مسؤولين ورجال دولة  مثل "رفيق الحريري" في لبنان وغيره ممن سبقوه، وكانت دائماً أصابع الاتّهام تشير إلى العدو الصهيوني كونه المستفيد الوحيد من هذه الأعمال.

بل أكثر من ذلك؛ كان هذا العدو ينشئ وبكل بساطة جيوشاً تدافع عنه "جيش لحد في جنوب لبنان" ثم لاحقاً استطاع أن يبشّر بربيع عربي ويقيم الثورات ويقودها ضد هذه الأنظمة والبلدان واحدةً تلو الأخرى ثم يجلس ويراقب سعيداً (كما يحصل في سوريا اليوم!). فالبنية التحتية دُمّرت والبنية النفسية تهتّكت والبنية الاجتماعية حُطّمت، وأعجبُ كيف لا أسمع بموت بعض قادة العدو من فرط السعادة لما يحصل في بلداننا من قتل وتهجير وتدمير وذبح وضرب وخلافات بين أبنائه أصبح من الصعب جداً مداواتها لو تضافرت كل الجهود الخيّرة الوطنية من أجل ذلك فكيف ولا أحد يأبه بشكل جدّي حتّى الآن.

منذ زمن بعيد وإلى الآن تلحّ عليّ الكثير من الأسئلة وسأختصرها بهذه الـ "لماذات" القليلة التي لا بدّ فقدتْ أهميتها الآن، ولكن رغم ذلك أسأل:

لماذا لم نستطع إشعال الثورات في المجتمع الإسرائيلي لنستغلّها في تدمير البنى التحتية والاقتصادية والاجتماعية للعدو؟

لماذا لم نستطع شراء ضمائر وذمم مسؤوليه ونعمل من خلالهم على نشر الفساد والفوضى في مجتمعهم من حيث لا يدرون؟

لماذا لم نستطيع تمرير السلاح إلى داخل مستوطناته وإنشاء عصابات لضرب مقدّراته المختلفة؟

ثمّ لماذا لم نستطع استعادة؛ أو تحريرأراضينا المحتلة حتى الآن؟

أثناء خدمتي الإلزامية كنّا نأخذ دروساً نظريّة مختلفة من أهمّها كان الدرس الذي عنوانه "اعرف عدوّك"، وأرى اليوم أنّه كان الأولى بنا أن نأخذ دروساً بعنوان: "اعرف نفسك".. فعدوّنا كان نصب أعيننا كلّما نظرنا في المرآة.    

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".