وفاء البوعيسي تكتب: كم أنت شقي أيها العقل!

إن تغييب العقلانية في فهم نصوص القرآن والسنة هو أحد أسباب تخلف المسلمين اليوم، فالعقل لطالما قوبل بالنفور من جانب فقهاء الإسلام، بحجة أن الله أعلم بما ينفع العباد، وأن عقل الإنسان قاصرٌ عن إدراك مصلحته. وما أن يقوم الباحث العقلاني بجولة في كتب الفقهاء على اختلاف مذاهبها، حتى يجد فتاوى وتفاسير سمجة وغير عقلانية البتة، وانشغال محموم بإعادة الماضي واستدعاء آداب وأصول القرن السابع الميلادي.

"تحوّل وضع المرأة المسلمة من عاطلة ومعطوبة تعتمد كلياً على الرجل، إلى شريك مكافئ وحتى ند منافس له في ميادين الحياة المختلفة، ويجب أن يتبع هذا التبدل في مركزها إعادة النظر في الأحكام التي تخصّها في الإسلام، كالميراث والقوامة والولاية عليها وأحكام الزواج والطلاق."

في كتب الفقه السني والشيعي على حدٍ سواء، تجد أبواباً ضخمة مع عشرات الفصول عن أحكام البول والاستبراء منه؛ ستجد باباً عن حكم بول الغلام، والجارية، والرضيع، وبول الإبل، وأبواباً مشرعة على الغائط، ودم الحيض، والمُخاط، والبحث عن القِبلة، ورفع السبابة في الصلاة، وأخرى في أحكام الرقيق والإماء، وحكم بيع الجارية العذراء والثيّب، حتى أن طلبة الفقه بكليات الشريعة الإسلامية بالسعودية وغيرها، ما زالوا يخصصون سنوات من عمرهم لدراسة أحكام الأصوات التي تصدر عن الإنسان من غير الكلام، كالضُراط والفُساء والتجشؤ، وحكم نُخامة النبي والاغتسال ببوله ودهن الجسم ببصاقه، وملذات الجنان المعدة للشهداء.

هذا الاستخفاف الهائل بالوقت، وعقول المسلمين، وهدر الأموال والجهود، في استدعاء الموروث، لهو الزيت الذي يُسكب كل يوم على دواليب آلة فقه تكرر ولا تبتكر؛ آلة تُعيد المسلمين إلى شروط القرون الوسطى على أحسن تقدير، لأنها بارعة في استدعاء الذاكرة إليهم، لا السفر بهم عبر الزمن للحاق بركب المستقبل، ولهذا السبب بالذات، قلما يصادفك اليوم انشغال طالب من طلبة الفقه بكليات الشريعة بالعالم، بمعارف القرن الحادي والعشرين وآدابه، كالكتابة في حقوق الطفل، وبراءات الاختراع، وحقوق الملكية الفكرية عن المصنفات العلمية والأدبية، والاستنساخ، والتدخل في الجينات الوراثية للنبات والحيوان والإنسان، وأثره في تحسين حياة الكائنات من عدمه، ومحاولات اكتشاف الحياة على كواكب أخرى، وتأثير ذلك على مستقبل كوكب الأرض، والتداول السلمي على السلطة، والتبدلات التي طرأت على وضع المرأة المسلمة (العلمي والاقتصادي)، من امرأة عاطلة ومعطوبة تعتمد كلياً على الرجل، إلى شريك مكافئ وحتى ند منافس له في ميادين الحياة المختلفة، وما إذا كان يجب أن يتبع هذا التبدل في مركزها، إعادة النظر في الأحكام التي تخصها في الإسلام، كالميراث والقوامة والولاية عليها وأحكام الزواج والطلاق.

إن هذا الاستسلام للماضي وتقليد الأسلاف، ومحاربة العقل وتكفير المفكرين والفلاسفة، هو أحد أهم أسباب تخلف العالم الإسلامي اليوم، والمسلمون وحدهم يتحملون عواقبه، فالعالم كل يوم يثبت أنه يتحرك للأمام.