محمد علاء الدين يكتب: المجانين في جحيم

كنا على القهوة، وأخبرنا صديقي أحمد زكريا عن موظف زميل له في عمله. يحكي أن الزميل قد مال عليه وسأله:

"حضرتك اخبار الحنفية عندك ايه؟"

لم يفهم زكريا، فأجاب:

"كويسة".

"اقصد ضغط المية.. مش ملاحظ حضرتك ان ضغط الميه عندكم بقى قليل؟"

"ايوة بس احنا بنستخدم موتور.."

"اهو حضرتك لولا سد النهضة ده ماكنش حد استخدم مواتير".

لم يملك زكريا غير أن يحكي هذه الحكاية على القهوة، بعدما تظاهر بمجاراة الرجل. شاركته أنا حكاية عن شخص كان متوقفا على ناصية كوبري ميدان الجيزة، مرتديا "بدلة صيفي" ونظارة سميكة، وبجواره شخص بالملابس الصعيدية المشهورة، كان الميكروباص الذي استقله قد هدأ من حركته أمام النقطة التي يقف أمامها الرجل الذي نظر للسائق، ثم قال له وكأنه يصفح عنه، هازا رأسه ومغلقا عينيه قليلا وقد شبك يديه خلف ظهره:

"عدي يا ريس.. عدي..."

نظرت إلى السائق وسألته مندهشا:

"انت تعرفه؟"

"ولا عمري شفته."

هكذا يموج في شوارع القاهرة أنواع مختلفة من المجانين، والمهزوزين، والمضطربين. بالطبع لم تخل مدينة مليونية مثل القاهرة من ذلك، ولكن، في سنين خمس، بدا وكأن الرقم قد تضاعف. رقم أظنه يزيد كثيرا عن أرقام المساجين والمصابين والقتلى، كلفة لا يتحدث عنها أحد إلا فيما ندر. مفهوم أنهم لم يفقدوا عينا أو حياة، أو يدخلوا سجنا، ولكنهم بالفعل قد فقدوا الكثير: أصدقاء أو زوجات، سبيل رزق، حتى علاقاتهم الأسرية، ورويدا رويدا يدخلون في سجن رهيب، لم يحلم به السيسي وزبانيته، سجن صنعه العقل: صديقنا الموثوق الذي ينقلب عدوًا. يعدون بين نقاط وهمية، يحاربون الظلال التي لم تكن غير ذواتهم، العين تنظر للداخل والأذن تسمع عقلها.

وهكذا، نكلم بعضنا لنتأكد أننا لم نركب حصان الجنون بعد، نتكلم كثيرا عن جدوى ونفع اللجوء للطبيب النفسي، بنبرات واثقة واتزان وقور، نحدث بعضنا عن المجانين الذين ازدادوا في الطرقات، ونحمد الله أننا لم نجر وراء شيء ولم نجر من شيء في الشوارع - فيما عدا الجيش أو الإخوان- فنعرج على مزاح ثقيل عن مستقبلنا في المصحات، ثم نرجع بيوتنا لنتلمس أنفسنا، نعم، ما تزال هذه الأريكة هنا، وأنا بخير.

إن لم يكن هذا في ذاته جنونا، فما الجنون؟!

خمس سنوات من الاضطراب، تنتهي إلى سلطة تتهم قطر بتهريب سمك القرش إلى سواحلها في "أكياس بلاستيكية سوداء"، ومجموعة من الاختراعات المذهلة مثل قطار يمشي بسرعة مليون كيلومتر في الثانية، أو طالبة بكلية الآداب تبتكر جهازا للتحكم في الصواريخ، أو طالب آخر نجيب اخترع طريقة لمعالجة السرطان من قشور المانجو، وأحدهم يقول إنه رفض بيع اختراعه بعشرة ملايين دولار بعدما حدثه الرئيس اوباما. لِمَ نذهب بعيدا؟ ألم يقدم لنا السيسي اللواء عبد العاطي الذي كان سيحول الايدز إلى كفتة؟ ألم يرق السيسي نفسه لرتبة الفيلدمارشال؟ ألم يطلع علينا رئيس البلاد نفسه ليقول إن الله قد اختاره وإنه "طبيب بيوصف الحالة"؟ ألم يصارحنا وهو مرشح بأنه رأى سيف لا إله إلا الله وساعة اوميجا؟! ألم يسانده الناس بعد كل هذا؟!

إن لم يكن هذا في ذاته جنونا، فما الجنون؟!

نعم، وراء كل هزة ضخمة في مجتمع ما تزيد الأمراض والأعراض النفسية. مثال مشهور هو ما يحدث في مجتمع جاهل بعد التوسع في التعليم، ولكن لا أحد يقول أوقفوا التعليم. نعم زاد الاضطراب النفسي والمجتمعي، ولكن الناس قد كسبت علما، والعلم نور.

أما مصر، فماذا كسبت بعدما قدمت الكثير؟! كسبت طبيب الفلاسفة، طبعا. 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".