صلاح علي إنقاب يكتب: "أبي وأمّي في النار!"

قبل خمسة عشر عاما كنت شاباً مراهقاً أبحث عن شيء ما يجعلني أشعر أني موجود.. كنت أخشى أن تأكلني الوحدة، ولذلك قررت أن أكون سلفياً، حيث كان الجميع يفعل ذلك. ليبيا الألف الثانية، مع فشل المشروع القومي الذي نجح فقط في جعل الجميع يرفضون فكرة أننا مختلفون، كانت مكاناً ملائماً لنمو الطائفية الدينيّة التي كان مبرّرها الوحيد هو الاختلاف نفسه.

بدأ الأمر لملء أوقات الفراغ، وكانت كثيرة حينها، بمرافقة السلفيين في رحلاتهم اليومية نحو المسجد خمس مرات، لكن الأسئلة كانت تنمو كون التناقضات التي يحملها الفكر السلفي داخله تجعل الإنسان أمام طريقين، إما أن يبحث عن الإجابات التي ستكون صادمة، أو الاستسلام للإجابات الجاهزة، ولأن رفقاء المسجد حينها كانوا محدودي المعارف ويرفضون تفكيري بصوت مرتفع، طلبوا مشورة سلفي مسؤول عن مسجد قريب من حيّنا.

دخلت الغرفة للقاء الموعود.. كان شخصاً ملتحياً ضخم الجثة، ويرتدي جلباباً طويلاً، ويحيط به أقارب صاحب المنزل يستمعون بإنصات لكلامه عن كل ما يعرفه متأكداً من الجنّة والنار وسكان كليهما. سألني قائلاً: "يقول الأخوة إنّك تشكك في أحاديث البخاري وتقيسها بمقياس عقلك، هل هذا صحيح؟" كانت لهجته شبيهة بلهجة رجال التحقيق في المسلسلات البوليسية. دار بيننا الحوار قصيراً جداً في واقع الأمر، وبدأ الحديث بأن النقل سابق للعقل، وأن الأمر يتجاوز كونه مجرد فكرة، وأنه ركيزة من ركائز الإيمان، ومن يطالب بمخالفة النص المنقول في السنن كافر، أو كما قال بلسانه: "أبي وأمّي في النار."

لقد كانت جملةً صادمةً بالنسبة لي. لم أكن أتصور أن الأمور وصلت إلى هذه الدرجة من الانفصال عن المجتمع، وتذكرت حينها عرس جارنا السلفي الذي كان يلعب معنا كرة القدم، والذي لم يدع فيه أحداً من الجيران، لا أحد إطلاقاً، فقط أقام خيمة في منتصف الطريق كعادة الليبيين، وتحول حيّنا في ذلك اليوم إلى حي من أحياء أفغانستان في زمن طالبان، لا موسيقى ولا غناء.. خيمة مليئة بالرجال الملتحين والنساء المنقبات يدخلن من الباب الخلفي، ولا أحد في الحي يعرف منهم أحداً. إنه مجتمعٌ آخر لا علاقة له بأحدٍ منّاً.

صديقنا السلفي شيخ الجامع، برر يقينه بأن والديه في النار كونهما طلبا منه أن يحلق لحيته، خوفاً من اعتقاله. وهو الأمر الذي طرح سؤالاً لديّ حينها. هو يعمل كإمام لجامع في منتصف العاصمة، فلماذا يخاف أهله أن يُعتقل إذا علمنا أن كل المساجد في ليبيا مدارة من قبل أجهزة الدولة الأمنية نفسها؟ استمر في الحديث قائلاً: "لقد خرجت من البيت، فالبقاء مع أبي وأمي لا يجوز لأنهما كفار. أقمت في حاوية في مزرعة صديق، وتزوجت فيها حتى قام أهل الخير من الجماعة بتدبير عمل 'حلال' لي، بعد أن تركت الجامعة التي تُعّلم العلوم الغربيّة الكافرة. وكنت أقوم بتوزيع الماء على الدكاكين، فالعمل في مؤسسات الدولة 'حرام'." هذا ما يؤكده السلفي.

لقد أصبح الحوار خطبةً عصماء، ليتجاهل وجودي أصلاً وهو أمر تمنيته حقيقة. وكان الجميع نصف جوعى للفتاوى، حيث بدأ السلفي في ذكر مساوئ العمل في مؤسسات الدولة كونها تتعامل بالنظام المصرفي الربوي وهو "حرام"، ليخوض في الحديث عن التعليم والمستشفيات بل وحتى عن لعبة كرة القدم.. كلها "حرام" لمبرراتٍ كثيرةٍ شديدة الإتقان، كالاختلاط بين الجنسين، وتقليد الكفار، أو لأنها لم تكن موجودة في عصر الرسول قبل أربعة عشر قرناً تحديداً!

واتجه السلفيّ فجأة نحوي مسائلاً: "قالوا لي إنك جبالي/أمازيغي.. هل هذا صحيح؟!" رددت بالإيجاب. وهنا التفت إلى الآخرين قائلاً: "أنتم الأمازيغ تتبعون مذهباً ضالاً..الإباضية كفار وعليك أن تتوب لربك وتتبع مذهب السلف الصالح."

وهنا قررت الفرار مع وقت إحضار المضيف لوجبة الغداء متعللّاً بموعدٍ مع شخصٍ يوجد فقط في مخيلتي، قبل أن يتحول السلفي إلى شيء أكثر ضراوة مما هو عليه. إن شخصاً يعلن أمام الجميع بأن "أباه وأمّه في النار" بسبب لحيته، هو مستعدٌ بالتأكيد لأكلي حيّاً بينما يخبره ضميره بأنّه رجلٌ صالحٌ.