محمد علاء الدين يكتب: لقد حضر البرابرة

كتب أحمد المغير أن اعتصام رابعة قد سحبت منه أسلحته قبل يومين من الفض، وبالطبع تكلم بنبرته المعتادة عن "الخونة الذين.." وساردا كل أنواع مبالغاته المعتادة عن الأسلحة و"سرية طيبة مول" والخ الخ..

هناك أسباب تدعونا للحذر من شهادة المغير، منها ما يحيط بشخصيته وخروجه من مصر، ومنها ما يحيط بالجيش ورغبته الدائمة في إثبات وجود أسلحة في رابعة، لدرجة أنه قد فبرك تقريرا نسبه للسي آي ايه، وأطلق خبراءه العسكريين ليتحدثوا في الموضوع في التلفزيون وعبر أكثر الصحف المصرية رصانة، وهي الشروق، عن التقرير الذي "يثبت" وجود "أسلحة ثقيلة" في اعتصام رابعة، وصل بالجيش المصري وأمنه أن زورا صفحة باسم السي اي ايه مكتوب فيها هذه المزاعم. هذه الصفحة الآن تعلن عن مساحيق التجميل.

بالطبع، على الناحية الأخرى، لم تعترض السي آي ايه.

حسنًا، دعنا نفترض صحة كلامه، ونتفهم وجود أسلحة حصن بها بعض المعتصمين أنفسهم في وسط أتون صراع سياسي ما بين خصمين غير متكافئين. ولكن، لقد سحبت الأسلحة. ألا يؤكد هذا، مرة ثانية بفرض صحته، سبب استقالة البرادعي الذي تحدث عن اتفاقية لحل الموضوع سلميا؟! نعم قال الرجل بعض الأشياء عن فض الاعتصام، لكن مفهوم أن هذا قد يأتي في سبيل التفاوض والضغط وصولا لنقطة وسطى. إذن، بنزع الإخوان لأسلحتهم، ألم يكن هناك نقطة وسطى تحقن دماء الآلاف من المصريين؟! نقطة وسطى تخرج العلمانيين كما ينبغي أن يكونوا، دعاة حرية وحماة لحق الإنسان في عيش حياته كما يريد؟!

هناك أسباب تدعونا للحذر من شهادة المغير، منها ما يحيط بشخصيته وخروجه من مصر، ومنها ما يحيط بالجيش ورغبته الدائمة في إثبات وجود أسلحة في رابعة.

ولكن يبدو أن السيسي ودولته، وفرقة عملائها من اللائكيين، لم يرضوا بذلك. كان الهدف هو تعقيد الوضع، دفعه للهاوية نفسها وليس حافتها، كان الهدف تدمير السياسة، وحين تنهار السياسة، يكون صوت البندقية حاسمًا. وهم كانوا يمتلكون البنادق. لم يسعول للوصول إلى النقطة صفر، لم يكونوا يعتقدون حقا بكون 30 يونيو تصحيحا لـ25 يناير، فتعيد فتح المجال السياسي أمام دورة تداول جديدة بعد دستور أفضل. لقد رفعوا شعار استعادة دولة يوليو، لقد رفعوا ببساطة الشعار الذي يعني الثورة المضادة، وبالفعل كانت ثورة مضادة.

لقد شن السيد إبراهيم عيسى حربا ضروسا في صحيفته – آنذاك- التحرير، مدبجا ما يقارب العشر مانشيتات الرئيسية منددا بما أسماه الصفقة، وفض رابعة الوهمي، حيث سيتظاهر الجيش بأنه فض الميدان وينسحب الإخوان سالمين (وياليتهم فعلوا)، وغير ذلك من أدبيات التحريض التي ستدمر مصداقية علمانيي مصر، وستضع الجائزة الكبرى في يد العسكر. لا عجب أن يتبوأ الاستاذ إبراهيم عيسى منصب "معارضة النظام"، وتتناثر الأقاويل عن مكافآت تلقاها هنا وهناك. هناك الأخ الوزير حلمي النمنم الذي ذكر في تسجيل شهير، ضرورة المذبحة لتجنب شر أكبر هو الحرب الأهلية. وبصرف النظر عن أن تبرير الكوارث يعبر بادعاء تفادي كارثة أكبر، فكلنا يعلم من بدأ الحشد لـ"الحرب الأهلية" عبر إعلامه ورجاله.

ها هم رجال الحقبة الجديدة القديمة، مدعو ثورية ومدعو ثقافة، والحقيقة كلاهما لا يضايقاني، ولكن المصيبة في أنهم يلبسوننا جميعا – العلمانيين- ثوب الذنب. مشكلتي أن فقدان هذه المصداقية لن يصب إلا لمصلحة الاسلام السياسي. لقد عايرونا وابتزونا بقتيل واحد يدعى سيد قطب، فما بالك بكل هؤلاء؟ وعندما يبدو أن الموضوع في طريقه لحل سلمي، يكون لا، فلنرمي الكرسي في الكلوب، على حد تعبير مصري شهير. سيقولون لك، هؤلاء، أهل الفكر، إن كل ما تقوله عن المصداقية والوعي لا يهم، ما يهم هو من يمسك بالبندقية. أهل الفكر، هؤلاء هم أهل الفكر في مصر.

ما يهم في شهادة المغير هو تأكيد ألا نسمح بمثل هذا أبدا، ألا نسمح بتكرار أكبر مذبحة في تاريخ مصر الحديث، ألا نعود لحذف بعضنا من على صفحات الفيسبوك وإغلاق المكالمات في وجوه بعضنا البعض، ألا نجلس أمام التلفزيون مراقبين رجال البوليس يصوبون على الناس كالدجاج (كان هذا أمام قسم الأزبكية)، وألا نرى على شاشة السي ان ان الدبابات تطلق النار على مدنيين عزل. ألا نسمع عن الهليكوبترات التي تفتح نيران رشاشاتها فوق ميدان رمسيس، ألا نمشي منكسي الرأس، ألا نهرب في أول طائرة ممكنة خارج مصر من مناقشات تدمي الروح أكثر من الرصاص. ألا نكتشف أن من يرفضون قتل المدنيين العزل من خصومهم السياسيين هم أقل القليل.

لقد بلغت حماقة اللائكيين والنظام بالاحتفاء بشهادة المغير مبلغها، لقد اعترفوا لنا، بكل فخر، بكل ما كنا نقوله. لقد اعترفوا لنا، بكل حماسة، بأنه كان هناك بديل.

لم ننتظر نحن البرابرة. لقد أتوا بالفعل. 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".