مايسة سلامة الناجي تكتب: لماذا قررت مقاطعة الانتخابات؟

قررت مقاطعة الانتخابات، لأنه بنظرة واحدة الآن ستجد أغلب السياسيين يقضون عطلهم بالخارج أو على الأقل أرسلوا زوجاتهم وأولادهم لجزر المالديڤ والباهماس وهايتي، وذهبوا هم إلى فرنسا وإسبانيا وباناما ليتفقدوا ما هربوا من أموال وما اشتروا بها من شقق ومقاهي ومطاعم ومشاريع من فلوس الشعب، بينما المغاربة الكادحون الذين فروا من العطالة وقلة الحيلة، عائدون ليقضوا العطلة ببلدهم يدخلون العملة الصعبة ويستهلكون المنتوج الوطني لينعشوا الاقتصاد، هم الذين منعوا من أبسط حقوقهم وهو التصويت في الانتخابات من بلدان المهجر.

سأقاطع الانتخابات لأن المسؤولين على السياحة المغربية يصطافون بالخارج بأموال إنعاش السياحة الداخلية، لأن المسؤولين على الصحة المغربية يعالجون بالخارج بينما ولاد البلاد ينتظرون لثلاثة أشهر المواعيد الطبية، لأن المسؤولين على التعليم يدرسون أولادهم بالبعثات الأجنبية وبالجامعات بالخارجية، بينما وصلت إلى الحضيض حالة المدرسة العمومية، لأن المسؤولين على السكن يعيشون بالڤيلات الوظيفية المجهزة بالأواني الفضية وبأراضي خدام الدولة الهكتارات المجانية، بينما ولاد البلاد مكدسون في السكن الاقتصادي، لأن المسؤولين على خزينة الدولة الخاوية والميزانية المفلسة شرعوا لأنفسهم الرواتب الضخمة والسيارات الفخمة والتقاعد المريح مدى الحياة عن 5 أعوام من الامتيازات، بينما ثقبوا جيوب المواطنين بالغلاء وأغرقوا البلد فالكريدي، لأن المسؤولين على مغاربة المغرب العميق المنسي المفقرين لديهم في كل بلد حساب بنكي.

قررت مقاطعة الانتخابات لأنني أعلم أن البرلمانيين تحركهم تعليمات مستشاري الملك، والوزراء ينفذون تعليمات خطابات الملك، ولا ينفع صوتي إلا كسلم للسلطة والاغتناء.

قررت مقاطعة الانتخابات بسبب الفوارق الطبقية المهولة ـ لا بين المستثمرين وعامة الشعب فهذا شيء جائز والتجارة ليست حراما ولا عيبا ـ إنما بين موظفي الدولة وخدامها وباقي العمال والموظفين، الفوارق الطبقية المهولة بين المحيطين بالقصر وبين الرعايا المفقرين، الفوارق الطبقية المهولة بين خدام مصالح الملكية وبين المغاربة المساكين، الفوارق الطبقية المهولة بين أصحاب السلطة وبين من يصوت عليهم من مواطنين. ورغم محاولاتنا العديدة للمطالبة بتقليص هذه الفوارق بدءا بقطع ريع التقاعد عمن يمثلنا ومن نمنحهم أصواتنا من وزراء وبرلمانين ـ الذين من المفروض أنهم هم من يجب أن يترافع لإزالة هذه الفوارق ـ لا أحد منهم اهتم بالأمر. ولن أمنح صوتي هذه المرة لمن يغتني به!

قررت مقاطعة الانتخابات لأن الأحزاب في المغرب أصابتها العتة وتم تمييعها لدرجة الغثيان، فالاستقلال على رأسه شباط الذي خرج سابقا من الحكومة طمعا في إسقاطها والعودة إليها على التراكتور. اليوم انقلب 180 درجة وأصبح يلعق حذاء العدالة والتنمية، العدالة والتنمية الذي كان يرى في شباط سفيها يجب أن يخرج من الساحة السياسية لتعتدل، انقلب اليوم 180 درجة ورحب بالتحالف معه. الاتحاد الاشتراكي تحول إلى ملحقة بامية، والبام إلى لوبي معاد للإسلام، وباقي الأحزاب إلى كسايب تكمل العدة، وحتى نبيلة منيب قبلت بالترشح في اللائحة الوطنية للنساء التي كانت قبل قليل تعتبرها ريعا يكرس اللامساواة ومرورا سريعا نحو السلطة دون أصوات.. لجأت إلى أقصر الطرق وأقربها باسم التدرج للإصلاح من داخل المؤسسات.. نفس كلام "الباجدة" منذ 5 أعوام!

قررت مقاطعة الانتخابات لأني لا أثق في المؤسسة التي تراقب الانتخابات. لا أثق في الداخلية التي انكشفت عورتها مع تطور الهواتف والكاميرات والنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، لنكتشف ما كنا نسمع فقط ونرى ونسمع تسلط أعوانها على الشعب من قياد وشيوخ، ولأنني أعلم طرق جرهم لسكان البوادي والمغرب العميق ليصوتوا لِما تم الاتفاق عليه سلفا من نتائج عبر تحميلهم على الشاحنات والحافلات وجعلهم يضعون العلامات كرْهاً على رمز دون آخر تماما، كما حملت سكان المغرب العميق للتظاهر يوما وجلبتهم مقابل بواطة ديال السردين إلى الرباط. لأن الداخلية لا تفعل أي شيء لمنع الرشاوى أيام الحملة والتلاعب بالتزكيات ولا تمنع بيع وشراء الأصوات مقابل الطواجن و200 درهم إن لم تكن تدعم تلك السلوكيات.

قررت مقاطعة الانتخابات لأنني أعلم أن البرلمانيين تحركهم تعليمات مستشاري الملك، والوزراء ينفذون تعليمات خطابات الملك، ولا ينفع صوتي إلا كسلم للسلطة والاغتناء.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".