وائل عباس - نزهة في أحد شوارع عاصمة كوريا الجنوبية سيول

وائل عباس يكتب: كوريا والقمع في عصر التكنولوجيا – الجزء الثاني

كما سبق وقلنا وباعتراف بعض الكوريين الجنوبيين المنصفين، فقد كانت كوريا الشمالية الاشتراكية تتقدم اقتصاديا بوتيرة أعلى من الجنوبية، في وقت كانت كل منهما تحت الديكتاتورية، لكن الديكتاتورية الشيوعية في الشمال اتخذت منحى آخر الا وهو التوريث. فبيونج يانج يحكمها الآن آل كيم لثلاثة أجيال، الأب والابن والحفيد، كيم ايل سونج ثم كيم جونج ايل ثم الحفيد المعجزة كيم جونج اون. بالمناسبة في كوريا يكتب اسم العائلة أولا، يعني مش كلهم اسمهم كيم طبعا.
 
في يوليو الماضي اتهمت كوريا الشمالية حكومة سول بانها تتعمد تسريب أفاعي سامة عبر الحدود إلى كوريا الشمالية، سبحانك يارب تحس أن الغباء الديكتاتوري واحد في كل دول العالم، عندنا برضه نشرت الصحف اتهامات لدولة قطر بمؤامرة لتسريب أسماك قرش في المياه الإقليمية المصرية للإضرار بالسياحة. كما أن لكوريا الشمالية وكالة فضاء تقول إنها ستضع علم الدولة على القمر في خلال عشرة أعوام.
 
لن أتعجب، فعلى العكس من مصر، كوريا دولة نووية لديها 20 رأس حربية نووية ولديها تكنولوجيا صواريخ متطورة حتى أن مبارك في حقبة ما تعاون معهم في هذا المجال، مما أغضب الحليف الامريكي وقتها وظهرت اتهامات لمبارك بإمداد كوريا بتكنولوجيا أمريكية، ونتذكر حينما بنوا له بانوراما حرب أكتوبر، ومسلسلات كوريا الشمالية التي كانت تعرض على القناة الثانية التي كرهها الناس من كتر الأفورة الوطنية الاشتراكية فيها، فقد كانت شخصية الخائن الذي تكرهه عائلته هو الذي يهرب إلى الجنوب دائما.
 
قبل المجاعة في التسعينات التي قتلت مئات الآلاف، اعتمد الشعب الشمالي فقط على نظام التموين الحكومي في الغذاء والكساء. كانت الحكومة توزع الجوارب والملابس الداخلية كل ثلاثة أشهر، وأحذية كل عام. لكن المجاعة تسببت في أن تغض الحكومة الطرف عن عمليات التهريب عبر الحدود مع الصين الأغنى نسبيا، فقد كان الكوريون يموتون من الجوع، وأثرى بسبب ذلك بعض المهربين، فقررت الحكومة فتح منطقة صناعية لتسمح لبعض المواطنين بممارسة التجارة الخاصة، وهو ما يشبه انفتاح السادات في السبعينات. لكن بدأ بعض التجار الذين يحققون الثراء في الاختفاء، فقد كانت الدولة تعتبر أن العملة الصعبة في يد المواطنين خطر كبير، لذا وضعت للثراء حدودا، من يغتني يختفي.
 
معظم ما نسمعه عن كوريا الشمالية حاليا هي أخبار إعدامات كيم جونج اون، فتارة يقدم عمه للكلاب المتوحشة، وتارة يعدم قادة في الجيش بطلقات من عيار كبير تمزق أشلاءهم إلى قطع صغيرة. ويعتقد أن كيم جونج اون يحب الإعدامات بهذةه الطريقة إمعانا في إهانة المقتولين، بحيث لا يتبقى منهم شيء للدفن، وتصدر أحكام الإعدام للسرقة والقتل والاغتصاب والتجسس والخيانة والهروب إلى الجنوب واعتناق أديان أو مشاهدة أو سماع أعمال فنية أو أدبية غربية، خصوصا من كوريا الجنوبية، ومشاهدة أفلام البورنو أو امتلاك إنجيل او قرآن. وقد أعدم اون 70 شخصا منذ توليه الحكم في عام 2011، وللأسف هو رقم أقل بكثير من أحكام إعدام أصدرها قاض مصري واحد هو ناجي شحاتة بعد 30 يونية.
 
لكن كوريا الشمالية ليست دولة قمعية كلاسيكية عقيمة يحكمها قذافي مهبول هو كيم جونج اون، ويمكن أن تقوم بها ثورة من الفيسبوك كالدول العربية مثلا. لقد أخد هذا الديكتاتور وأبوه وجده حيطتهم منذ عقود طويلة بقمع تكنولوجيا التواصل نفسها، وتخيلوا مين بيساعد كوريا الشمالية في القمع التكنولوجي؟ شركة اوراسكوم المصرية لصاحبها نجيب ساويرس، دي مش نكتة لأن شركة ساويرس فعلا بنت شبكة المحمول الوحيدة الموجودة في كوريا الشمالية الآن وعليها 2 ونصف مليون مستخدم، اسم الشركة كوريولينك، ولنجيب ساويرس تصريح صحفي شهير يقول فيه إن مواطني كوريا الشمالية عندهم حرية في التواصل.
 
تعالوا نشوف حرية التواصل اللي بيقول عليها نجيب ساويرس دي تطلع ايه؟ شركة كوريولينك تقدم خدمات المكالمات والرسائل النصية فقط، خدمات الجيل الثالث تقدم للأجانب فقط وممنوع منها المواطنين، ممنوع اقتناء أجهزة محمول مجهزة بالبلوتوث او الواي فاي او أي وسائل تبادل للملفات، وتستورد حكومة بيونج يانج أجهزة مخصوصة من الصين غير مجهزة بالبلوتوث ولا الواي فاي، وده بيفكرنا بأيام مبارك لما كانت أجهزة المحمول المزودة بخدمة تحديد المواقع او الجي بي اس ممنوعة في مصر حتى توسط رئيس شركة نوكيا لدى مبارك. وجدير بالذكر أن مصر ما زالت تمنع استيراد طائرات الأطفال بالريموت كنترول والتليسكوبات الفضائية لأسباب لا يعلمها إلا العسكر.
 
الانترنت في كوريا الشمالية شبكة مغلقة داخل الدولة ومشترك فيها بضعة آلاف من المنتسبين للنظام الحاكم فقط ومراقبة مراقبة شديدة. تصنع كوريا بمساعدة صينية وتستورد أجهزة كمبيوتر وتابليت مخصوصة للسوق الكوري الشمالي، مزودة بأنظمة تشغيل مراقبة كلية من الحكومة. نظام التشغيل يراقب كل هفوة تقوم بها على جهازك وبه آلية لوضع بصمة الكترونية على كل ملفاتك ليمكن بسهولة التعرف على مصدر أي ملف سواء كان نصا أو صورة أو لقطة فيديو. نظام التشغيل هو لينوكس ريد ستار أو النجمة الحمراء، وقد كتبت عنه من قبل في مقالي عن أحمد نظيف عام 2004. أجهزة كوريا الشمالية لا يمكنها الدخول على النت أو التواصل إلا عن طريق جهاز يو اس بي خارجي توفره الحكومة فقط.
 
التابلت الكوري الشمالي صناعة صينية لكن لزقوا عليه اسمهم، مش مسموحلك تخش جوجل ماركت وتنزل برامج، بس هم منزلين 40 لعبة عليه منهم مثلا انجري بيردز وبرنامج اوفيس، التابلت عليه نظام تشغيل اندرويد نسخة 4.4.3 حديثة لكن ملعوب فيها طبعا لمراقبة الجهاز ومنعه من فتح أي ملفات ليس عليها بصمة موافقة الدولة الالكترونية، وأنت لو صورت فيديو بتليفونك أو التابلت بيتعرف أن انت اللي صورت لو حاولت توزعه أو تنشره.
 
طبق الديش قد تصل عقوبته للإعدام، معظم بيوت كوريا بدون كهرباء أو تدفئة، وهذا يظهر في صور الأقمار الصناعية حيث تظهر بيونج يانج العاصمة هي الوحيدة المضيئة في كل الدولة. يجمع السكان الحطب في الصيف ويكدسونه للتدفئة في الشتاء، بينما في العاصمة توجد تدفئة مركزية للمحظوظين، وسكان العاصمة يصرف لهم بادج يعلقونه على ملابسهم ولا يسمح لغيرهم بارتدائه.
 
كوريا الشمالية ترسل بالونات هواء مليانة مطبوعات دعاية للنظام هناك عبر الحدود الى كوريا الجنوبية، يمكن ربنا يهديهم للديكتاتورية هم كمان. أحد هذه البالونات وصل وأنا موجود في سول، لكن كوريا الجنوبية لها تاثير بالمسلسلات التلفزيونية والأغاني الشبابية على كوريا الشمالية برغم كل الحصار والقمع. يبث البلدان محطات راديو موجهة للبلد الآخر، كوريا الشمالية تبيع لمواطنيها أجهزة راديو مثبت عليها فقط محطات الدولة ولا يمكن تحويل المحطة إلا في الأجهزة المهربة من الصين، وهي محرمة ومجرمة بالقانون. محطات الراديو الموجهة لكوريا الشمالية بتبث على الموجة القصيرة لأن البلد جبلية وبعضها يبث من اوزبكستان مش عارف ليه.
 
باختصار، الحياة كلها في بيونج يانج العاصمة، فيها كهرباء وتدفئة وسوبر ماركت بيستمتع بيها أعضاء النظام الحاكم، بقية كوريا الشمالية خرابة عصور وسطى.
 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".