محمد علاء الدين يكتب: رسول الله اردوان

يقولون إن السلطان العثماني الجديد، المعروف إعلاميا باسم الرئيس اردوان، قد أصدر قرارا بدفن القتلى من المشاركين في الانقلاب العسكري في مقابر بلا شواهد، بجوار ملجأ للكلاب، خرجت واحدة من موظفيه لتقول بحماس إنها لا يشرفها أن تكون مقبرة الخونة بجوار كلابها، قبل أن تسأل فهي ليست بالمحجبة ولا بالمنتقبة، وكما يمكنك التخيل، فقد منع اردوان الصلاة على جثامين الانقلابيين، ووصفهم بالكفرة. هكذا مرة واحدة.

خونة؟ بالتأكيد هم خونة، عسكر ينقلبون على نظام جلب لتركيا كل رخاء. لكن، كفرة؟ هل أخذ اردوان الكتاب بقوة؟ أم حادثه الله في الوادي المقدس طوى؟

هل قاد الرجل ونظامه تركيا لبعيد؟ نعم، الأرقام تتحدث، وعيني التي شهدت بها اسطنبول تتحدث، متجولا مع رفيقة حياتي في شوارعها البهية ومقابلا صديقي السوريين الكبيرين ياسين الحاج صالح وخالد خليفة (كان خالد آنذاك في اسطنبول)، ومتحدثا مع الأتراك الطيبين المرحابين. نعم، فعل الرجل ونظامه لوطنه الكثير، ولكن، هل يمكنه العسف بخمسين ألفا من المواطنين الأتراك كرما لذلك؟ خمسين ألفا؟! أفهم أن يتوغل بعض من الانقلابيين في أروقة القضاء والصحافيين والشرطة، لكن، مرة أخرى، كل هؤلاء!

حدث انقلاب دموي خسيس، قتل فيه ما يقارب الـ 160 مدنيا في ساعات قليلة، ونعم، لا بد من محاسبة كل من تورط في هذه المحاولة بكل حزم، ولكن، ما شأن المدرسين؟! طيب ما شأن مضيفي الخطوط الجوية التركية؟!

ما صنع تركيا في العشرين عاما الماضية هي الديموقراطية والحرية، الديموقراطية والحرية، بعيدا عن بوتات العسكريين، هي ما أوصلت اردوان وحزبه للحكم، وهي من جعلتهم يجودون في أدائهم حتى يحوزوا ثقة مواطنيهم، وهي من شحذت العقول للعثور على دوافع تقنع الآخرين بحججك، مدافعا أو مهاجما، فيرتقي الحوار وتتعقد العلاقات. هذا ما جعل كل علماني أو ديموقراطي مخلص يرفض انقلاب تركيا. لقد صار لدينا مثال يتيم في الشرق، اعتمد الصندوق وسيلة للحكم وحكما بين المتنافسين، فقدرنا أن يعلن حزب العدالة والتنمية خسارته لأغلبية مطلقة بينما هو يحكم، وهذا هو النادر العزيز في الشرق، وسعدنا أن استعادة الحزب لأغلبية مريحة جاءت بعد ترضيات كثيرة وكبيرة لمواطنيه، هذه هي الديموقراطية: الشعب يعطي الحكم لمن يفيده وينهض به.

لا أظن أن أي علماني أو ديموقراطي مخلص يمكنه أن يقبل الانقلاب على ذلك، لا من الجيش، ولا من اردوان.

يمكن لاردوان ونظامه أن يدفعا بأن كل هذه الإجراءات سليمة قانونيا ودستوريا، وهي كذلك على الورق بالطبع، لكن في ظل كل هذه الأخبار التي نسمعها آتية من الأناضول، فإن سوء استغلال السلطة هي ما يبدو هنا. في أيام ما قبل الانقلاب، كان من الطبيعي أن نرى سلطوية لاردوان، في مجتمعات تقهر ضعفائها وتمجد جلاديها تاريخيا، في مجتمعات تنز سلطوية وتراتبية كما تجري المياه في الأنهار. الديموقراطية في نضجها هي حماية الأقلية قبل نفاد رأي الأغلبية، ولكننا سنكون متعسفين إن توقعنا أن تكون تركيا انجلترا في عقدين من السنوات، لكن العملية كانت تمضي، والانتخابات في مسارها، والمعارضين في جهودهم، وكان يبدو أن تركيا على طريق سليم وصحيح رغم كل المنغصات اللازمة للاستيعاب والتعلم بشكل واقعي، لا للتنظير في الكتب، حتى قام هؤلاء العسكر الحمقى بانقلابهم، مانحين الفرصة للسلطان أن ينفذ انقلابا بديلا.

وربما أكثر الأشياء سخرية في هذه الدوامة هي موقف مؤيدي السيسي في مصر: يتباكون على ما يحدث في تركيا ويتناسون ما يؤيدونه في مصر، بل النكتة أنهم يشجبون ما يفعله اردوان بألسنتهم، ولكنهم، وفي عمق قلوبهم، يباركون ما يفعل، يقولون هذا سياسي أريب وهذه فرصته، سنمضي معا في هذا التفكير لنكتشف أن مثل هؤلاء انقلبوا على مرسي، لا لتحر حكم رشيد ولا لعداوة إيدولوجية، بل لأنه لم يقدر على فعل ما فعله السيسي واردوان.

وفي هذه اللحظات، ربما نشهد نهاية تجربة مشرفة ولامعة في الشرق، ولكنني أتمنى مخلصا أن تعبر تركيا وشعبها، الذي أظهر وعيا يستحق الإعجاب والاحترام، مثل هذا المنعطف التاريخي بأقل أضرار ممكنة، فنجاحهم دليل على أن الشرق يمكنه احتمال العلمانية والديموقراطية جنبا إلى جنب مع ميله الديني، وخسارتهم هي فشل كبير لمنطقة بأسرها.

لقد أتى الينا اردوان في مرة، الحاكم ذو الخلفية الإسلامية، لينصح الإخوان المسلمون بالعلمانية، فاستهزأ الحمقى به، وجرونا جميعا وراءهم لمجرور لا يفيد معه شيء، وأظن أن على اردوان أن يستمع لرأي بعض ناصحيه، قبل أن يهبط بنفسه، وبوطنه، وبالمنطقة بأسرها، إلى ذات المجرور.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".