AP - دمشق- ساحة المرجة

حسين خليفة يكتب: دمشق.. شعر الفيس بوك يغزو المقاهي

هاجرت نسبة كبيرة من المثقفين السوريين إما بسبب موقف سياسي، أو هرباً من الحرب كما بقية السوريين، وبإضافة أعداد المعتقلين والمخطوفين والقتلى من الكتاب والفنانين والصحفيين على أيدي أطراف الحرب إلى هؤلاء المهاجرين، لم يبق هنا إلا من يستظل بموقف سياسي مع السلطة، أو يتدرأ خلف صمت مليء بالأسئلة والاحتمالات والاتهامات بالرمادية والانتظار وغيرها.

هذا الفراغ الناشئ في ساحة الثقافة أتاح لجيوش جرارة من "الشعراء" و"النقاد" القادمين من فضاء الفيس بوك غزو منابر الشعر والنقد، تاركين الرواية والقصة بمنأى عن غزوتهم إلى حد كبير، كون الشعر سريع الاستهلاك ومؤرخ اللحظة كما يقال.

والمنابر في زمن الحرب على دمشق هي المقاهي والمطاعم المنتشرة في دمشق القديمة وباب توما ووسط المدينة أيضاً.

هي بحد ذاتها ظاهرة جميلة أن يتاح لكتابة مغايرة للسائد أن تصل إلى القارئ خارج وصاية المنابر المهجورة لوزارة الثقافة (المراكز الثقافية)، ومنابر اتحاد الكتاب العرب المحجوزة للعجائز الذين جاؤوا إلى الكتابة متأخرين أو شاخت كتابتهم مع شيخوخة الجسد.

التجربة بدأت قبل الحرب بشكل محدود في دمشق ومدن سورية أخرى، فكان "بيت القصيد" وحده ظاهرة ثقافية لافتة يقدم أمسية أسبوعية حافلة بالشعر في دمشق تجمع كتاباً سوريين وعربا وأجانب أحياناً ينظمها بكل فوضاه الجميلة الشاعر لقمان ديركي. 

لكن بعد الحرب أتاح الفضاء الأزرق لمئات ـ إن لم نقل آلاف ـ التجارب التي نقلت من صفحات الفيسبوك إلى هذه المقاهي لتظهر ويصبح لبعضها آلاف المعجبين والمتابعين، وكان للنساء غالباً حصة الأسد في حصد "اللايكات" على نصوص غثة ومليئة بالأخطاء.

 وحتى لا نبخس البعض حقه فإن القليل من هذه التجارب تفرض نفسها لما تمتلكه من أفق جديد في الكتابة الشعرية وحساسية مغايرة في ملامسة زمن الحرب، مما يمنحها مشروعية إبداعية ومعرفية في إلقاء الضوء عليها وتقديمها لجمهور الشعر الذي يكاد ينقرض هو الآخر ويقتصر على الشعراء أنفسهم، شعراء يقرؤون لشعراء.

النصف الملآن من الكأس أيضاً يتمثل في استمرار شكل من الحيوية الثقافية  رغم كل ال"العك" الذي يقدم، شكل من أشكال مقاومة الحرب بالكتابة والاجتماع على سماع الموسيقا والشعر ونصوص أدبية تبحث عن هوية، وستجد دائما بين ركام النصوص التي تتلى ومضات مشرقة، وتكتشف أسماء تقدم منجزا إبداعياً لافتاً ومختلفاً.

دمشق التي يرتادها الشعراء والعازفون والعشاق، هي دمشق أخرى غير التي يعيث فيها أرباب الحرب خراباً وحقداً لا ينتهي.

"أضواء المدينة" ملتقى مميز أطلقته مجموعة مثقفين ومبدعين ممن يتملكهم هاجس إضاءة المدينة بالشعر والموسيقا في زمن "اللدات" والشواحن وساعات القطع الطويلة للكهرباء، فيما تظلل نهاراتِ المدينة سحبُ الدخان والغبار وأصوات القصف اليومي.

مطعم "نينار" القريب من الباب الشرقي للمدينة القديمة كان المكان الذي تقدم فيه "أضواء المدينة" الملتقى المفتوح للشعر بأشكاله كافة والقصة والموسيقا، وتميز عن غيره من الملتقيات بقراءات دائمة لتجارب شعرية سورية وعربية وعالمية متعددة مع نوافذ على الشعر القديم إضافة إلى ما يقرؤه الضيوف.

توقف "أضواء المدينة" مؤخراً واستعاض عنه الشباب القيمون عليه بملتقى "جسور" في نفس المكان كامتداد للتجربة باسم آخر، وكأن الفرقة والخلاف ـ بدل الاختلاف ـ هي رفيق السوريين الدائم حتى في النشاط الثقافي.

ملتقى "يا مال الشام" حاول أن يقدم تجربة مغايرة عبر التعاون مع الإعلام المحلي وتنظيم مسابقات، ثم وقع في فخ الكسب المالي بحثا عن ممولين لنشاطه، فوقع على رعاة من بعض الأحزاب الجديدة، التي فرخها قانون الأحزاب الكليل الذي أقر عام 2011 كإحدى وسائل إيقاف الحراك الشعبي، وهي نسخ معدلة من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي أنشأها حزب البعث منذ بداية السبعينيات وأرادها وعاء لتعددية سياسية على مقاسه.

ملتقى "يا مال الشام" تنقَّل بين أكثر من مقهى ومطعم في دمشق، وهو يجمع بين تقديم تجارب ريادية ومكرسة إلى حد ما، وتجارب مبتدئة، بعضها نافر ومميز، والكثير منها يغرق في الإنشاء وترديد بائس لمفردات محمود درويش ومحمد الماغوط ونزيه أبو عفش وسليم بركات دون أي إضافة لافتة.

هناك عشرات الأسماء لملتقيات وتجمعات ثقافية لا يتسع المقال لذكرها تشهدها مطاعم دمشق ومقاهيها وفنادقها أيضاً كل أسبوع.

ومهما قيل عن مستوى ما يقدم، وغياب الشعر عن معظم "الشعر" الذي يسمعه الجمهور القليل، إلا انه تكريس لطقس جديد في مدينة تريد الخروج من مشهد الحرب والموت والخرائب إلى أفق حياة.

"زمن الشعر" في دمشق يعلن استمراره عبر هذه الظاهرات التي ـ على علاتها الكثيرة ـ تترك لنا هامشا من حلم بمدينة تمعن في الحلم كما لو أنها في مقتبل التاريخ.

الآن، دمشق التي يرتادها الشعراء والعازفون والعشاق، هي دمشق أخرى غير التي يعيث فيها أرباب الحرب خراباً وحقداً لا ينتهي.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".