AP - الشاعر الفلسطيني محمود درويش

محمد أحداد يكتب: محمود درويش ينبعث حيّاً في إسرائيل

محمود درويش، الشاعر الفلسطيني الراحل، مايزال حياً. يؤثر في الناس، يلهب العساكر، يهدد الحكومات ويثير الأزمات السياسية، ويقسم الإسرائيليين إلى فسطاسين كبيرين، ويحرض وزير الثقافة على الاحتجاج فقط لأن صحافياً يشتغل في الإذاعة العسكرية الإسرائيلية أثار اسم درويش حينما كان يتحدث عن السلام.

قال الصحافي بنبرة حزينة إنه على إسرائيل الاعتراف بحرب الإبادة التي اقترفتها سنة 1948، وفي ثنايا السرد التاريخي للصراع المرير بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أذاع قصائد لمحمود درويش وقال عنه إنه شاعر للحب وللأرض وأنه استطاع أن يمزج في شعره بين النقيضين: الحب والثورة ثم فيما يشبه العشق المستتر بثت الإذاعة الإسرائيلية فقرات من قصيدة "لم تركت الحصان وحيداً" التي تحكي قصة درويش مع الاغتراب واغتصاب الوطن والتهجير وحياة المنافي.

لم يكن يتوقع الصحافي الإسرائيلي أن الحرية في بلاده تنتهي عند محمود درويش، فوزير الثقافة أكد بلغة يملؤها الحقد أن ما أذيع يشكل انقلاب على مبادئ إسرائيل العظمى أما وزيرة التربية الوطنية فقررت استدعاء الصحافي على عجل لأنه اقترف جريمة لا تغتفر، بينما أمعن اليمين الإسرائيلي في جلد الصحافي وحرضت عليه وسائل الإعلام وجيشت ضده الرأي العام.

لقد طور درويش غريزة حب الوطن في المنافي منذ أن غادر قرية البروة صغيراً، فحمل القضية على "كتفيه ثوراً هائجا"، ولم يستطع أن يتخلص منها، وكان يغتاظ كثيراً حين يطلب منه الجمهور أن يعيد قراءة قصيدة سجل أنا عربي، فقط لأن الهوية لا تورث بالقصيدة.

ما الذي  فعله صحافي عاشق للسلام سوى أنه رأى في قصائد درويش احتمالاً للسلام، وسرداً عميقاً لمأساة الفلسطيني الباحث عن وطن مؤجل إلى حين.

درويش ليس مسلحاً يتأبط المدافع والبنادق، وليس عضواً منتمياً إلى حماس، ولم يكن يوماً مجنداً في خلية سرية تنفذ الاغتيالات وتختطف الطائرات في ذروة الصراع مع الإسرائيلي المحتل. بل عندما طلب منه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أن يكتب الخطاب التاريخي الذي سيلقيه في الأمم المتحدة باسم منظمة التحرير الفلسطينية، اختار غصن الزيتون بدل لغة البنادق، "لقد جئتكم بغضن الزيتون في يد وبالبندقية في اليد الأخرى فلا تسقطوا غصن الزيتون".

صاحب "الجدارية" كان يتوفر على سلاح أفتك من المدافع والطائرات، كان يمثل خطراً على الإسرائيليين وعلى الفلسطينيين أيضا: درست قصائده في المدارس الإسرائيلية وحفظ الجنود جداريته وقصائده الضاجة بالحزن حول الوطن، وحقد عليه الفلسطينيون ورأوا فيه شاعراً ميالاً للمهادنة.

"لاعب النرد" الذي تجلت فلسطين في قصائده وتجلت فلسطين فيه، صار لفترة طويلة العدو الأول لإسرائيل ولفلسطين أيضا لأنه كان يمثل حلماً للعيش المشترك.

لقد طور درويش غريزة حب الوطن في المنافي منذ أن غادر قرية البروة صغيراً، فحمل القضية على "كتفيه ثوراً هائجا"، ولم يستطع أن يتخلص منها، وكان يغتاظ كثيراً حين يطلب منه الجمهور أن يعيد قراءة قصيدة سجل أنا عربي، فقط لأن الهوية لا تورث بالقصيدة.

حين عاد من الرحلة الباريسية الطويلة التي قادته إلى غرفة صغيرة أجرى فيها عملية جراحية، تسلق درويش مدارج الشعر، ونضجت تجربته الشعرية إلى درجة أنه استطاع أن ينحت ذائقة شعرية جديدا ليست مبنية على الاستعداء وإعلان الحرب وقتل أي بذرة للحلم بعيش مشترك، إنما على البحث عن إمكانية للحياة..

بيد أن إسرائيل استمرت في كره محمود درويش، فما حققه في الأماسي الشعرية بالكلمة النفاذة لم تحققه المقاومة الفلسطينية طوال معركة الاستنزاف مع المحتل الإسرائيلي. حاولت أن تفجره كما فجرت غسان كنفاني، الذي فتّت أسطورة"الدولة التي لا تقهر". التحم غسان بالوطن "فحملوا أشلاءه في كيس كما حملوا الوطن في كيس كما كتب درويش في مرثية شهيرة عن رفيقه في الكلمة والنضال.

لماذا اقترفت هذا الجرم يا درويش؟ لم أحببت ريتا اليهودية التي حملتها في أحشائك ولم تسمح لها بالولادة إلا في قصائدك؟ لماذا كنت تدافع عن الحياة بدل الحرب، ولم تحدث أزمة سياسية عاصفة في الكيان الإسرائيلي وقد "طار بك الموت نحو السديم".

قبل سنوات كثيرة، نشر درويش قصيدة تلخص كل شيء عن صراع "لا يريد أن ينتهي" ولا ضير أن ننشر مقطعا من القصيدة:

 

فنحن عَدُوَّانِ ...

ماذا سيحدث لو أَنَّ أَفعى

أطلَّتْ علينا هنا

من مشاهد هذا السيناريو

وفَحَّتْ لتبتلع الخائِفَيْن ِ معاً

أَنا وَهُوَ ؟

يقول السيناريو :

أَنا وَهُوَ

سنكون شريكين في قتل أَفعى

لننجو معاً

أَو على حِدَة ٍ ...

ولكننا لن نقول عبارة شُكـْر ٍ وتهنئة ٍ

على ما فعلنا معاً

لأنَّ الغريزةَ ، لا نحن،

كانت تدافع عن نفسها وَحْدَها

والغريزة ُ ليست لها أَيديولوجيا ...

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".