عدسة منذر مصري - طاولة الزهر على ضوء البيل في اللاذقية

منذر مصري يكتب: الكتابة في درجة الصفر السوري

سألته، ما إن كان قد قرأ "ليلة القبض على أردوغان في اللاذقية" مقالي الأخير في موقع (هنا صوتك).أجاب مبتسماً وكأنه ينتظر مني هذا السؤال منذ دخولي لمكتبه ورؤيته منحنياً يحملق بنظارته المكبرة في شاشة (الكومبيوتر): "نعم، وأعجبني، مثل سابقه عن الدبابة الاسرائيلية، ولكني، كما تعلم، لا أجرؤ على التعليق ولا حتى وضع إشارة إعجاب عليه.. والله يا أخي يحيرني كيف تكتب هذه المقالات وتنشرها على الملأ، وأنت تحيا هنا، كواحد منا، وفي الحقيقة، لدي تفسيران.. الأول؛ إنك مدعوم، وظهرك محمي، أي أن هناك صفقة ما، لا أعرف تفاصيلها، بينك وبين من يعنيهم الأمر! أو أنك إنسان شجاع على نحو لا مثيل له!".

ضحكت، يوماً لم يبخل علي صديقي بالإطراء الذي يبدو وكأنني أزوره من حين لآخر لأحصل عليه، وأجبت: سأبدأ أولاً بتبديد تصورك الجميل عني، وهو تفسيرك الثاني لما تراه جرأة في كتابتي.. بالتأكيد يا صديقي أنا لست إنساناً شجاعاً إلى ذلك الحد، ولا للأدنى كثيراً منه، حتى يكاد يمسح الأرض، كما وصف مرة صديقنا (ك – م) السقف الذي حدده النظام لنشاط المعارضين وكتاباتهم. بل ربما العكس، وربما أكون أخوف الجميع، ألم تنتبه لوصفي نفسي:"أنا الهلوع"، وربما لأني أخاف لهذه الدرجة، أكره الخوف وصانعيه حتى العظم، ولا أظنني أفوت الفرصة محاربة ومحاولة الانتصار، ليس عليهم، فهذا ما يفوق قدراتي كافة، بل على خوفي منهم وعلى نفسي.

كتبت كثيراً عن خوف السوريين وحقهم الشرعي أن يخافوا، من قبل ومن بعد الزمن الفاصل الذي خرجوا فيه وحاولوا هدم جدار الخوف الجاثم على صدورهم.

كتبت كثيراً عن خوف السوريين وحقهم الشرعي أن يخافوا، من قبل ومن بعد الزمن الفاصل الذي خرجوا فيه وحاولوا هدم جدار الخوف الجاثم على صدورهم. ولأعطيك دليلاً سريعاً على خوفي الشخصي، هو أنني بعد أن أرسلت مقالي هذا للنشر، تنبهت إلى جملة فيه، أدل بها على عنوان بيتي، وإن ليس بدقة، بل فقط اسم الحي الذي أسكنه، فقمت سريعاً بحذف الجملة وأرسلت نسخة معدلة، وذلك تحسباً من أن تدفع مشاعر الإعجاب أحدهم فيأتي لزيارتي مع بعض أصحابه!

نعم لهذا الحد من التدقيق أخضع كتاباتي، فأحذف وأبدل وأعدل تفاصيل، لو عرفتها لبدت لك صغيرة وتافهة. ومرة أخرى أعود وأقول لك، إني، ومنذ بداية أقدامي على هذا النوع السقيم من الكتابات، لا أرسل أي مادة للنشر، حتى القصائد، إلا بعد أستدعي نفسي من قبلي أنا بالذات، وأخضعها للتحقيق، في كل جملة وكل كلمة!؟.. إلاّ أنني أعترف بتساهلي!؟

أحسب من مضمون ما ذكرته، يمكن لك أن تعرف أن ظهري بارد كالثلج، فلا اتفاق ولا صفقة.. خطية أو شفوية أو مضمرة.. لأن أصحاب الصفقات يا صديقي، ليس عملهم هذا النوع من الكتابات، بل، الـتأييد، والمديح، والتبرير، وإن كان بعضهم قد يخلط الأشياء بحيث يبدو وكأنه يعارض، إلاّ أنه، مع الوقت، ومع تتابع كتاباته، لا بد وأن ينكشف مهما خاتل أو مارى.

ومع ذلك أعترف، يبقى لدى الكثيرين الحق في الظن بشبهة ما، لأن إنكاري هذا، لا يجيب على أسئلة المشككين والمرتابين، مثل: "كيف يسمحون لك بهذه الكتابات!؟ لماذا لا يستدعونك ويفهمونك حدودك، لأي غاية يدعونك تصول وتجول وتظهر للناس بأنك معارض يحيا بين ظهرانيهم!؟"

ثم يأتي ذلك السؤال الأشد أذية: "لماذا لم تغادر كسواك من أدباء وفنانين لهم ذات الميول؟ ما الذي تفعله هنا!؟"

بالتأكيد أستطيع أن أقدم عدداً لا بأس به من الأجوبة على جميع هذه الأسئلة، إلاّ أن كل جواب منها، مهما كانت درجة وضوحه، يستولد بدوره المزيد من الأسئلة، كأن أجيبك:"ربما لأني شاعر معروف، ولي اسم داخل البلد وخارجها، فلا مصلحة لهم الآن، لأن يجعلوا مني وصمة أخرى في سجلهم الحافل بالوصمات" فيكون سؤالك التالي:"وهل تظنهم يقيمون لشيء كهذا أي اعتبار!؟" وإذا قلت لك:"إنني، مهما كتبت، لا أشكل هذا الخطر المحدق الذي يستدعي منهم محوه وإزالته" فيأتي سؤالك:"وهل تصدق أن كل الذين اعتقلوا وحوكموا أو نفذ بهم الحكم دون أن يحاكموا، وكل الذين خرجوا من البلاد ناجين بأرواحهم، كانوا يشكلون هذا الخطر المحدق الذي تقول عنه!؟" ثم إذا نقلت لك، تفسيراً آخر سمعته مراراً:"يهم النظام بقاء أمثالك في البلد، فأنتم بمثابة شهادة براءة له، تثبت تسامحه وديموقراطيته أمام الآخرين" فأقوم أنا وأسألك:"وهل تصدق حقاً أن مثل هذه الشهادات ما زالت تجديه نفعاً؟" وهكذا تتسلسل الأسئلة والأجوبة إلى مالانهاية.

جوابي الأخير يا صديقي، ربما يتجاوز كل هذه الأسئلة والأجوبة، الهام منها والتافه، الصادق منها والملفّق، ليصل إلى ما أسمح لنفسي باعتباره جوهرياً ومصيرياً، هو أني أستمر في الكتابة لأستمر في الحياة، لأثبت لنفسي أني مازلت موجوداً، لأني أصدق أن هذا الوجود والاستمرار يقوم على التواصل مع الآخرين والكتابة عنهم ولهم. الذين، بالدرجة الأولى، أراهم حولي، الذين لسبب أو لآخر، بقوا معي، والذين غادروا ويريدون أن يعودا يوماً، إذا أتيح لهم. لأنه كما يوقفني البعض ويقول لي: "ما لك وهذا الكلام، الأفضل لك، لنا جميعاً، الخرس" فإن آخرين يقولون لي، ويكتبون ويرسلون رسائل تكاد لا يخلو يوماً منها صندوق بريدي، أن استمر، وأن أبقى معهم، فهم يجدون بي معنى ما، وأملاً ما، وسبباً للبقاء وربما للعودة، ولا أدري أي عزاء أن يقول لي أكثر من شخص عائد، إنه حزم أمره بالعودة، بعد قراءته لمقالي (سنبقى). فإن كان من حقي، وربما واجبي، أن أشك في نفسي وأكذبها، فإنه لا يحق لي أن أكذب الآخرين وأشك بكلمة واحدة مما يقولونه عني. نعم أكتب لأني أصدق أن كتابتي يمكن لها أن تساعد أهلي وشعبي في عبورهم هذا النفق المظلم إلى آخره، حيث، لاريب، سيشع في عيونهم ذلك الضوء، وكأنه الفجر الأول.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".