AP - أحد أحياء حلب بعد القصف- مركز حلب الإعلامي

راتب شعبو يكتب: حلب الكبرى.. جثث سياسية بقدرات عسكرية

كل الأنظار على حلب اليوم، ثمة قتل مباح، ثمة "ملحمة حلب الكبرى" للرد على "حلب معركتنا الكبرى"، وليس أقل من "الكبرى" ولو بمقدار قليل، حتى يتساءل المرء لماذا لا يدع هؤلاء الناس مسافة احتياطية لاحتمالات قد تستوجب معركة أكبر أو أشد حسماً وفصلاً، في دمشق فرضاً.

ماذا سيسمون المعركة القادمة إذن؟ هل ينتقلون من التفضيل إلى الإضافة، على طريقة المحارب الدائم الراحل صدام حسين، فيقولون مثلاً "أم المعارك"؟ ولكن ماذا بعد؟

ليست اللغة القصوى هذه خالية من الدلالة. إنها تشي بالخواء الأقصى. الخواء السياسي الذي يعكس شعور الطرفين بالعجز، لأن كل منهما مرفوض من السوريين بقدر ما هو مقبول أو أكثر. ولأنهما يدركان أنه لا يمكن لأي منهما أن يكون مستقبل سورية. أو قل لأنهما يدركان أن قبولهما الحالي من الطرف القابل بهما إنما هو قبول مؤقت بهما بوصفهما محاربين ليس أكثر.  وليس هذا الاستقتال اللفظي سوى تمسك في الصفة الحربية التي لا ينفع أي من الطرفين خارجها بشيء.

(القيادة السورية لا تريد أن تسمع حتى بكلمة "مشاركة" لأنها تعني تقاسم السلطة. هي حددت سقف الحل السياسي، بالقبول فقط بحكومة موسعة تضم إليها بعض المعارضين المقبولين. أكثر من هذا مرفوض قطعاً). على ما يقول الصحفي سامي كليب في جريدة السفير في الأول من آب 2016، في مقاله "سقوط أوهام رحيل الأسد أو تقسيم سورية". ولا ريب أن سامي كليب يعرف جيداً و من الداخل، الذهنية التي يتحدث عنها، وهي كذلك بالفعل. بعد كل هذا الخراب، لا يزال حتى لكلمة "مشاركة" أثر صاعق على ذهنية "القيادة السورية". أي مستقبل لمثل هذه الذهنية؟

"هذه معركة الإسلام ضد الكفر" هكذا يقول المحيسني القاضي الشرعي لجيش الفتح، وصاحب تسمية "ملحمة حلب الكبرى". في أي زمن نحن؟ أي إسلام وأي كفر؟ المحيسني الذي يسخر من انشغال الناس في كتابة الدساتير بينما "دستورنا جاهز". ما المستقبل الممكن لمثل هذه الذهنية أيضاً؟

إنها جثث سياسية تتصارع، جثث سياسية تشكل عبئاً على الحياة السورية. جثث سياسية ولكنها معززة بقدرات عسكرية تطحن البلاد إلى الحد الذي يبدو للمراقب أن هذا هو هدفها الوحيد.

الجثث السياسية تقتل لتقتل، لأنها تعلم أنها ما أن تتوقف عن القتل حتى تبدأ بالتفسخ. كم ينبغي أن يدفع الأحياء من حياتهم حتى يدرك الأموات أنهم موتى؟ كم ينبغي من الانفعالات للمنفعلين مع تقلبات المعارك في حلب، قبل أن يدركوا أن الحرب التي لها رعاة خارجيون، لا تعبأ بانفعالاتهم وآمالهم وأمانيهم ولا حتى بحياتهم. وأن هذه "الانتصارات" أو "الهزائم" ما هي إلا أسنان المنشار الذي يأكل سورية ومستقبلها.

اليوم يموت السوريون ويخرجون من بلادهم لاجئين إلى كل مكان في العالم، بما في ذلك إلى الدول الأفريقية، نتيجة تناحر وتصارع قوتين ميتتين سياسياً. هاجر الفلسطينيون في أواسط القرن العشرين تحت ضغط العنف الممارس ضدهم من قوة غاصبة ولكنها تمتلك لذاتها مشروعاً سياسياً قابلاً للحياة، قوة عنصرية لكنها تمثل جمهوراً عريضاً متنوع المشارب والاتجاهات السياسية والفكرية، وتحوز على قبوله العام، وكانت قادرة منذ البداية على خلق علاقة حية مع الجمهور، وفق مبدأ ديموقراطي لا يزال قادراً على استيعاب الصراعات الداخلية وحلها سلمياً. وفق هذا النظام يحوز المسؤول الإسرائيلي قيمته في هذه العلاقة بقدر ما يقدم من خدمات لإسرائيل، وليس لجمهور خاص أو لعشيرة أو طائفة أو عائلة أو ..الخ.

ليس أبأس ممن يقول "لننتصر ضد الإرهاب حالياً ثم نرى" إلا من يقول: "لنتخلص من النظام حالياً ثم نرى". ببساطة لأنه لن يتاح لأي منهما أن يرى سوى المزيد من السواد.

في المأساة السورية، لا وعد بالخير لأحد، لا لمن يبقى ولا لمن يخرج لاجئاً. لا أفق لأي من القوتين المتصارعتين سوى الاستمرار في القتل بوتائر تشتد وتهدأ، وليس أمامهما سوى "المعارك الكبرى". حتى لو انتصرت إحدى القوتين، وهذا ما لن يحصل، فإنها سوف تفتح "معركتها الكبرى" ضد السوريين الباقين. العمل لوقف الحرب والخروج من اصطفاف المجتمع السوري وراء قطبي الصراع، هو الطريق السوري الذي يمكن أن يخرج بسورية من مأساتها الراهنة. وليس أبأس ممن يقول "لننتصر ضد الإرهاب حالياً ثم نرى" إلا من يقول: "لنتخلص من النظام حالياً ثم نرى". ببساطة لأنه لن يتاح لأي منهما أن يرى سوى المزيد من السواد، هذا إذا أتيح لأي منهما أن يشهد الخلاص من القوى التي يريد الخلاص منها. وليس أبأس من الشعر الذي يتغزل بالسوخوي ويسميها "سو" تحبباً، سوى الشعر الذي يتغزل بالتاو "تقدس اسمه".

الانفعال لمجريات هذا الصراع المشتعل، والجري وراء سراب نصر يلوح هنا ثم هناك، هو تكرار محلي محزن، لانفعالات دامت ثماني سنوات على نطاق أوسع، ثم عادت إلى نقطة الصفر بعد أن كلفت العراق وإيران ما كلفت من البلاد. 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".