AP - خالد سراج رئيس حكومة الوحدة - طرابلس

خليل الحاسي يكتب: الديمقراطية وحقوق الإنسان والعلمانية

لا نستطيع الفصل بين الكثير من المفاهيم المُتمفْصلة مع العَلمانية، مثل الديمقراطية، والحداثة، وحقوق الإنسان. ولا يسعنا الحديث عن الديمقراطية دون التكلم عن خلفيتها التاريخية، وجذورها العلمانية. وإلا سيكون الحديث غامضاً من جهة، ومن جهة أخرى سيبدو حديثاً مُدلّساً ومهادناً للتيارات الدينية، التي تقف عائقاً أمام مشاريع النهضة والحداثة.

ولا يمكن في الوقت ذاته الحديث عن العلمانية، دون الولوج في بحور الحداثة، فمن أهم تجليات العصر الحديث هو الفصل بين الديني والسياسي. فلم يكن لفكر السياسة الحَدَاثي أن يحقق ما حققه دون التخلص من هيمنة الفكر الديني. بذلك المعنى السابق ترتبط الحداثة بالعلمانية في قضية فصل أبجديات العقل الإنساني التاريخي، عن لغة العقل الديني الغيبي. كما لا يتأتَّى التأصيل في الحديث عن حقوق الإنسان دون الإشارة لفصل النسبي عن المطلق، وإثبات وجود الذات الإنسانية التي مارس الديني نفيها لحساب التصورات الدينية. نستطيع القول بتقدير مؤدَّاه إن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحداثة، كلها مفاهيم متداخلة ومترابطة في علاقات وجوب حتمية.

ليس للفكر السياسي الإنساني، فيما أوجده، ما هو أعظم وجوداً من الديمقراطية - أقله في عصرنا الحالي - التي تحرر المجتمعات من السلطة الأبوية الاستبدادية، وتنطلق بها من حدود اللحظة التاريخية القديمة نحو آفاق هموم البشرية الراهنة. هذه الديمقراطية تحتاج لمجتمع تجاوز العلاقات الأولية المبنية على الانتماءات الدينية والعرقية والجهوية. فتحديث نظام الدولة السياسي، والانتقال به من المناخ الديكتاتوري إلى مصاف الحياة الديمقراطية، في مقابل تجاهل تحديث المجتمع الذي يعيش ازدواجية الأغلبية السياسية والأغلبية المجتمعية، لن يجعل من الممارسة الديمقراطية التنافسية إلا نشاطًاً صورياً، مآله محكوم بالتصلب الذي يأذن بالانهيار.

أنتجت الديمقراطية مفاهيمها الفلسفية في عملية انصهار أولية مع مبدأ فصل الدين عن السياسة. فالديمقراطية المعاصرة تفترض مسبقاً أن الدين قد تحول لخلاص فردي، لا علاقة له بالشأن العام، انطلاقاً من ظروف نشأتها التاريخية. وعسانا لا نخطئ بالقول إن العلمانية هي الجوهر الفلسفي للديمقراطية، ذلك أن العلاقة بين العلمانية والديمقراطية ليست علاقة عرضية عابرة أوجدتها الظروف التاريخية التي مرت بها المجتمعات الغربية في مرحلة ما، أثناء تشكل الديمقراطية، وإنما هي علاقة اضطرارية واجبة ولازمة، فمن غير الممكن أن نتخيل انخراط النخب السياسية في ممارسة ديمقراطية صحيحة، قبل أن ينتقل الدين من الشأن العام إلى الشأن الخاص.

ولكن، قد يبادر أحدهم بالسؤال قائلا: هل علاقة العلمانية بالديمقراطية من الحتميات، وهل ذلك الربط بين العلمانية والديمقراطية يعدُّ ربطاً منطقياً، بقطع النظر عن الخلفية التاريخية العلمانية للديمقراطية؟. إن الإجابة عن ذلك السؤال الاعتراضي تبدأ بالحديث عن حرية الرأي المرتبطة بالخيار الديمقراطي الحر، وطبيعة المفاهيم العلمانية المتداخلة مع مفاهيم الديمقراطية. وبكلمات أخرى؛ إن الخيار الديمقراطي للفرد يستمد أصالته من حرية الرأي التي لا تجد نفسها فاعلة باستقلالية تامة إلا داخل المناخ العلماني، الذي يزيح الدين عن الشأن العام، ويضعه في إطاره الفردي السليم. من نافلة القول، إذن، إن العلمانية ترتبط مفهوماً بحرية الفرد، وحرية الرأي. فكيف يستطيع الفرد تحديد خياره الديمقراطي إن لم تتوفر لديه حرية الرأي والاعتقاد؟.

ينطلق الفكر الإسلامي السلفي التقليدي في عدائه للديمقراطية مستنداً على خلفيتها التأسيسية العلمانية، وقد نجح رجال الدين الإسلامي في جر الملايين خلف نظرياتهم الدينية-السياسية، التي لا تستند لأسس الواقع، بقدر ما ترتكز على الغيبيات والتصورات الأسطورية، التي تحد حرية العقل وحركيته، وتعمق اغترابه عن الواقع. وإذا تجاوزنا الحديث عن الجماعات الإسلامية الراديكالية الرافضة للديمقراطية معنى ومبنى. واتجهنا للحديث عن اليسار الإسلامي إن جازت لنا التسمية، سنكتشف أن لديه فكرة برجماتية شَائِـهة عن الديمقراطية التي أعلن قبولها والانخراط في عمليتها، بعد أن تبلورت الرؤية الإسلامية لمفهوم مصالح الأغلبية المسلمة. فالمجتمع المسلم، بحسب الإسلام السياسي يطمح بالضرورة إلى قيام نظام إسلامي، وبالتالي فالديمقراطية ستخرج من دائرة الكفر مادامت تدور في فلك المبادئ الأساسية للدين. مدار المسألة في الديمقراطية الإسلامية يتحدد في "ديمقراطية إجرائية" تختزل في تطبيق السلوك الديمقراطي مثل الانتخابات الدورية، وحق الاقتراع العام، واستقلالية مؤسسات المجتمع المدني، وتشكيل أحزاب... إلخ، ومن ثم، إفراغ الديمقراطية من محتواها الفلسفي والثقافي المتواشج مع المفاهيم العلمانية، وحصرها وقصرها في تلك العملية الإجرائية. ولا أدل من تجربة الإسلام السياسي في ليبيا على شكل الممارسة الإسلامية الديمقراطية بوصفها إحدى ضرورات البقاء، ليس أكثر.

ومن المفارقات التي كنا نسجلها على التيار الحقوقي في ليبيا، مطالبته بترسيخ مبادئ حقوق الإنسان داخل المجتمع، ورفضه للمبادئ العلمانية! واجتهاده ودأبه المستمرين في دفع تهمة العلمانية عن مؤسساته. ولكن، أليس سقوط الحكم الكنسي والثورة المعرفية التي انحازت للعقل الإنساني هما الوقائع التي تبلورت في مجرياتها فكرة حقوق الإنسان؟.

إن القارئ داخل مسيرة وتطور مفاهيم حقوق الإنسان يعلم جيداً أن فكرة حقوق الإنسان لم تتبلور إلا عندما تم الفصل بين العقل الإنساني التاريخي المرتكز على المنطق والعلم، والعقل الديني الذي يعتمد على المعرفة العقيدية الدينية. ومن ثم، جعل العقل الإنساني هو المركز، والمصدر الرئيس في إنتاج المعرفة، ووضع الدين في خانته الهامشية الواقعية، بوصف الأخير جسماً يدور في فلك الفكر الإنساني مع بقية الظواهر الإنسانية، فتتأكد بذلك قيمة الفرد في ذاته، وتُرسَّم حقوقه انطلاقاً من طبيعته الإنسانية.

 

* هذه المادة نشرة لأول مرة بتاريخ 2016-08-02.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".