anp - مشهد من محكمة في القاهرة - أرشيف

صلاح صابر يكتب: مصر.. النار في مواجهة مدنية الدولة

قبل أقل من عامين امتطى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جواد فارس التنوير؛ حين أكد على أهمية تجديد الخطاب الديني وتنقيته من كل ما يدعو إلى التطرف أو قتل الأبرياء باسم الدين. ونال خطابه ردوداً ايجابية في مصر وفي خارجها؛ بالنظر إلى أن خطابه جاء فى احتفال ديني كبير حضره كبار مشايخ الأزهر؛ المؤسسة الدينية الرسمية التي ترعى الإسلام السّني في العالم.

وكرر السيسي خطابه في أكثر من مناسبة، إلا أن دولته استمرت في السير على نفس خطى دولة مبارك التي سقطت في يناير 2011 فاستمرت مطاردة المفكرين والباحثين كلما طرحوا أفكارا تتعارض مع الخطاب الديني السائد.

ومع نهاية شهر يوليو الماضي قضت محكمة النقض  برفض الطعن المقدم من الباحث "إسلام بحيري"، على حكم محكمة جنح مستأنف مصر القديمة الصادر في ديسمبر الماضي، بحبسه لمدة عام لاتهامه بازدراء الأديان. وقررت تأييد حكم الإدانة ليصبح الحكم نهائياً.

ويأتي هذا الحكم ليؤكد أن الدولة المصرية ليست لديها النية في تجديد الخطاب الديني أو التحول إلى دولة مدنية حديثة يحظى مواطنوها بحقهم في التعبير بحرية عن آرائهم ومعتقداتهم، دون خوف من الزج بهم في غياهب السجون أو التعرض للقتل من متطرف استجاب لفتوى دينية ترى فيهم مرتدين أو كفرة .

وجريمة حبس إسلام بحيري ارتكبها الأزهر نفسه الذي كان قد تقدم ببلاغ إلى النائب العام ضد بحيري، اعتراضاً على ما يراه "قيامه ببث أفكار  تمس ثوابت الدين وتنال من تراث الأئمة المجتهدين".

ويستند الحكم الصادر ضد بحيري إلى المادة 98 فقرة (و) من قانون العقوبات والتي تعرف إعلاميا بقانون ازدراء الأديان.

وهذه المادة تتناقض مع حرية العقيدة وحرية التعبيرالتي كفلها الدستور. وهي نفس المادة التي استخدمها الأزهر فى ظل دولة مبارك لمطاردة كتاب مثل الدكتورة نوال السعداوي التي طالب مجمع البحوث الإسلامية بإسقاط الجنسية المصرية عنها بعد نشر إحدى مسرحياتها. والشاعر حلمي سالم والدكتور نصر حامد أبو زيد الذي تم اتهامه بالكفر بسبب أبحاثه التي تقدم بها لنيل درجة الأستاذية وحكم فيها بالتفريق بينه وبين زوجته، وعلاء حامد الذي نال حكماً بالسجن 8 سنوات.

ويبدو أن الأزهر يعتبر هذا القانون سىء السمعة سنده فى الحفاظ على سلطته الروحية واحتكاره لتفسير النص الديني دون غيره.  وفي المقابل لا تمانع دولة السيسي في احتكار الأزهر لهذه السلطة باعتباره المؤسسة الدينية الرسمية فى مواجهة آخرين كالسلفيين الأكثر ميلاً للتفكير الوهابي القادم من الجزيرة العربية. أو جماعة الاخوان التي تناصب الدولة العداء منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي فى العام 2013 .

 ويعد قانون ازدراء الأديان في جانب منه سلاحاً لدولة السيسي فى مواجهة  المجموعات الليبرالية أو الحقوقية باعتبارها أول من يتم اصطيادها عبر هذا القانون. وهي نفس وصفة مبارك .

وقبل أيام قال خالد النشار مساعد وزير العدل لشؤون الإعلام إن الوزارة  ترفض بوضوح مقترحات بإلغاء عقوبة السجن في تهمة ازدراء الأديان. واعتبر أن ازدراء الأديان ليس إبداعا، مضيفاً إنه من غير المعقول إلغاء مادة تعاقب من يستغل الدين في الترويج لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتن، أو ازدراء أحد الأديان السماوية، معتبراً أن من يقوم بذلك لا يمكن وصفه بالمبدع.

وطالما كان لوصفات مبارك تأثيرها على سياسات دولة السيسي فسيجري الهروب من التناقض بين الدستور وبين قانون ازدراء الأديان عبر اللجوء إلى  من يطلق عليهم "ترزية القوانين" لتعديل القانون بما يضمن بقاءه سيفاً فى يد الدولة دون أن يتم إلغاؤه عبر المحكمة الدستورية. ولذلك قال مساعد وزير العدل مؤخراً إنه من الممكن تعديل هذه المادة بحيث يتضمن قصر الحق في طلب تحريك الدعوى القضائية - في شأن هذه الجريمة- للنيابة العامة دون غيرها.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".